آخر تحديث: 19 / 9 / 2026م - 4:40 م

خلف الأبواب المغلقة

رائد بن محمد آل شهاب


عند قراءة مسيرة الأنبياء والرسل والأئمة وبعض الصحابة ، نلاحظ أنهم جميعًا خاضوا فصولًا من الابتلاءات والمحن الصعبة والعمل المستمر.

فقد ينظر الشخص العادي ويشخّص أن الغزوات الإسلامية التي قادها النبي الأعظم محمد ﷺ هي السبب الوحيد في توسع واستمرار هذا الدين العظيم.

في الحقيقة، هناك ثلاثة أسباب جوهرية يذكرها بعض العلماء والمؤرخين في نهج التثبيت والاستمرار والتوسع الإسلامي:

• الدعوة المستمرة من قبل النبي محمد ﷺ رغم كل الصعوبات والشتائم والمعاملات السيئة من الآخرين…

• أموال السيدة خديجة بنت خويلد ، ونجاح تجارتها على يد النبي الأعظم محمد ﷺ، فكان لها دور مادي ومعنوي في دعم أركان الدعوة الإسلامية في بداية نشأتها؛ إذ وضعت كل ثروتها الطائلة تحت تصرف النبي لدعم المسلمين المضطهدين.

• شجاعة الإمام علي بن أبي طالب ، الذي يُجمع المسلمون على قوته وشجاعته الفائقة في غزوات النبي محمد ﷺ. أثبت بطولة عظيمة، وجعل المقولة الشهيرة ترتبط به: «لا سيف إلا ذو الفقار، ولا فتى إلا علي». فكان يقاتل بمهارة كبيرة في الميدان دفاعًا عن الحق.

الكثير منا يتوقع أن النبي محمد ﷺ كان فقط يقوم بالدعوة الإسلامية ويشارك في الغزوات ويلقي الخطب ويصدر الأوامر؛ فقد شارك النبي بنفسه وعمل بجد وبكل تواضع في بناء المسجد النبوي، حيث كان ينقل الحجارة واللبن «الطوب المصنوع من الطين» مع الصحابة ويحملها بنفسه، تحفيزًا لهم. فقد ضرب النبي أعظم الأمثلة في القيادة بالتفاعل المباشر ومشاركة الصحابة والمسلمين والعاملين في البناء، وتمثّل ذلك في بعض الأبيات الحماسية أثناء العمل دون تمييز.

وفي عالمنا الحديث، هناك شخصيات متعددة تخفي وراءها فصولًا من الحياة الثرية خلف هذه الأبواب المغلقة، سأضرب مثالين:

الأول، مهاتما غاندي: محامٍ وزعيم سياسي هندي وُلد عام 1869، أسس لفكر سياسي جديد بعيد عن العنف والتمييز بين الأشخاص. قضى حياته في النضال ضد الاستعمار البريطاني لتحقيق استقلال بلاده، اغتيل عام 1948. بسبب مستواه الدراسي المتوسط وطبعه الخجول، لم يصاحبه أحدٌ في المدرسة واكتفى بالاهتمام بالدراسة. في يوم 30 يناير/كانون الثاني 1948، شيّعه إلى مثواه الأخير في نيودلهي ملايين من الهنود، وأصبح قبره قبلة لرؤساء الدول وللضيوف الذين يزورونه على هامش حضورهم المناسبات في الهند. وقررت الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 2007 جعل ذكرى ميلاده الذي يوافق يوم 2 أكتوبر/تشرين الأول، يومًا عالميًا لنبذ العنف، باعتبار أن اسمه اقترن بالسلام والتسامح ونبذ العنصرية.

الثاني، جي. كي. رولينغ «J. K. Rowling» هي الكاتبة والروائية البريطانية التي ألفت سلسلة الفانتازيا الشهيرة «هاري بوتر»، فقد رفض الناشرون عملها مرات ومرات، إذ رفضته 12 دار نشر، ولكنها لم تتوقف عن المحاولة، ولم تتنازل. فبإصرارها الشديد جدًا وافقت إحدى دور النشر على طبعها ونشرها، حتى أصبحت الرواية أكبر سلسلة روايات في التاريخ بإصدارات مليونية، وأفلام جُسدت فيها هذه الروايات.

فالمجتمعات لا تتغير بكثرة المعلومات، وإنما بالإنسان الذي يحول المعرفة إلى إنتاج، والعلم إلى عمل، والفكرة إلى مشروع، والخُلُق إلى واقع يراه الناس. الحياة لا تتغير بالقفزات الكبيرة دائمًا، بل تتغير بخطوات صغيرة تتكرر كل يوم.

نعم، أجيال سابقة كانت تنقذ كل شيء قابل للإصلاح وإعادته إلى الحياة. لقد تغير الزمن، وتغيرت أدواته، وتغيرت معه طريقة تعاملنا مع الأشياء، لكن السؤال الذي يستحق أن نتوقف عنده: هل كان زمنهم أجمل مقارنة بزمننا الحالي «عصر الذكاء الاصطناعي والسرعة المذهلة»؟

السؤال الحقيقي هو: هل كانوا يعيشون أجمل اللحظات لأنهم يمنحون الأشياء وقتًا أطول، وفرصًا أكبر للمحاولة؟ كانوا يظنون أنهم يحاولون ويناضلون من أجل مواقف وأهداف سامية… ولم يعلموا أنهم صنعوا ذاكرة للتاريخ لا تنقطع.

خلف الأبواب المغلقة، سنظل نكتب أنا وزملائي حتى ولو لم يقرأنا أحد.

المصادر:

• مشاركة النبي محمد ﷺ في بناء المسجد النبوي - المكتبة الشاملة

• ذكرى استشهاد أشرف الخلق النبي محمد ﷺ، سماحة الشيخ ياسين الجمري - 2026

• مهاتما غاندي.. زعيم ثورة «المنبوذين» في الهند. الجزيرة، 11/02/2024

• الكلب بوبي وماري بوتر والمكتبة المركزية، الأستاذ كمال المزعل

• ليش لا، الأستاذ إسماعيل هجلس

• جيل كان يصلح كل شيء… إلا الزمن، الأستاذ مبارك الدوسري

• اكتب… حتى ولو لم يقرأك أحد، الأستاذة بدرية آل حمدان