الشَّلَلِيَّة في الوسط الثقافي

تظهر الشللية في الوسط الثقافي حين تتحول العلاقات بين الكتّاب والمثقفين والفنانين والناشرين والمنظمين إلى تكتلات مغلقة، يتقدم فيها القرب الشخصي على القيمة الإبداعية والكفاءة والاستحقاق. فالتعاون بين المبدعين ضرورة لازدهار الثقافة، لكنه يفقد مشروعيته حين يتحول إلى دائرة تحتكر المنابر والفعاليات والجوائز وفرص النشر والتكريم، وتقصي الأصوات الجديدة أو المختلفة.
ولا تكمن المشكلة في الصداقات أو التجمعات الثقافية ذاتها؛ فقد تنشأ عنها مشروعات مهمة وتعاونات مثمرة، وإنما تبدأ الشللية حين تُستخدم العلاقات لتكرار الأسماء نفسها، ونشر أعمالها، وتقديمها إلى الجمهور، ومنحها فرص المشاركة والتكريم، بصرف النظر عن جودة ما تقدمه. عندئذ يصبح الانتماء إلى المجموعة أهم من قيمة النص، ويغدو الولاء للأشخاص مقدمًا على الولاء للثقافة.
تنشأ الشللية غالبًا في ظل غياب المعايير الواضحة لاختيار المشاركين والمتحدثين والمكرمين، أو نتيجة تركّز إدارة المنصات والفعاليات في أيدي مجموعة محدودة. ويسهم في انتشارها ضعف الشفافية، والمجاملة، والخوف من خسارة العلاقات، وتقديم الولاء الشخصي على الموهبة. وقد تبدأ بدائرة صغيرة من الأصدقاء، ثم تتحول تدريجيًّا إلى شبكة مؤثرة تحدد مَن يحضر المشهد الثقافي ومَن يبقى خارجه.
وليست كل علاقة ثقافية وثيقة شللية؛ فالفرق بين التعاون المشروع والشللية أن الأول يقوم على تبادل الخبرات، ويقبل الاختلاف، ويفتح أبوابه للمواهب الجديدة، ويحتكم إلى جودة العمل. أما الشللية فتقوم على احتكار المنابر، وتكرار الأسماء، وإقصاء المخالفين، والتعامل مع فرص النشر والجوائز والتكريم كأنها امتيازات خاصة بأعضاء المجموعة.
لا يرد مصطلح «الشللية» بصيغته المعاصرة في القرآن الكريم، غير أن القرآن يقرر أصولًا أخلاقية واضحة تمنع المحاباة والانحياز والإقصاء. يقول تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [1] .
فالآية تجعل العدل واجبًا حتى مع وجود الخصومة، ومن باب أولى ألا تؤدي الصداقة إلى محاباة المقربين أو حرمان الآخرين من حقوقهم وفرصهم.
ويقول سبحانه:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ [2] .
وهذا التوجيه يضع الحق فوق روابط القرابة والصداقة؛ فلا يصح أن تُمنح الفرص الثقافية للمقربين لمجرد قربهم، كما لا يصح أن يُحرم منها الآخرون لخروجهم عن دائرة العلاقات الخاصة.
ويؤكد القرآن أن التعاون لا يكون مشروعًا إلا إذا قام على الخير والعدل، فقال تعالى:
﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [3] .
فالتعاون الثقافي محمود حين يسهم في نشر المعرفة وتنمية الإبداع، لكنه يتحول إلى ممارسة مذمومة عندما يصبح وسيلة لتبادل المنافع واحتكار الفرص وإقصاء المستحقين.
قال النبي ﷺ: «انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا»، ولما سُئل عن كيفية نصرة الظالم بيّن أن نصرته تكون بمنعه من الظلم [4] .
ويصحح هذا الحديث مفهوم الولاء؛ فالنصرة الحقيقية للصديق أو الزميل لا تكون بتأييده في كل موقف، ولا بمدح أعماله على حساب الحقيقة، ولا بتقديمه على من هو أجدر منه؛ وإنما تكون بنصحه ومنعه من التجاوز والمحاباة. ومن يصفق لصديقه في الخطأ لا ينصره، بل يعينه على الاستمرار فيه.
جاء في عهد الإمام علي
إلى مالك الأشتر:
«أَنْصِفِ اللهَ وَأَنْصِفِ النَّاسَ مِنْ نَفْسِكَ، وَمِنْ خَاصَّةِ أَهْلِكَ، وَمَنْ لَكَ فِيهِ هَوًى» [5] .
وهو توجيه دقيق إلى إقامة العدل حتى مع الخاصة ومن يميل إليهم الإنسان؛ لأن الميل الشخصي إذا لم تضبطه القيم تحول إلى محاباة تظلم الآخرين.
وقال
في العهد نفسه:
«وَلْيَكُنْ أَحَبَّ الأُمُورِ إِلَيْكَ أَوْسَطُهَا فِي الْحَقِّ، وَأَعَمُّهَا فِي الْعَدْلِ» [5] .
وقال أيضًا:
«وَلَا يَكُونَنَّ الْمُحْسِنُ وَالْمُسِيءُ عِنْدَكَ بِمَنْزِلَةٍ سَوَاءٍ» [5] .
وهذا المبدأ وثيق الصلة بالوسط الثقافي؛ لأن مساواة العمل المتقن بالعمل الضعيف، أو تقديم الضعيف بسبب العلاقات، يزهد المجيد في إبداعه، ويشجع غير المجيد على الاستمرار من دون مراجعة أو تطوير.
وفي أخلاق العلم رُوي عن الإمام جعفر الصادق
قوله:
«اطلبوا العلم وتزيّنوا معه بالحلم والوقار… ولا تكونوا علماء جبارين، فيذهب باطلكم بحقكم» [6] .
فالثقافة التي يرافقها الاستعلاء واحتكار المعرفة تفقد رسالتها، وقد يحجب سلوك صاحبها ما يحمله من علم أو حق. والثقافة الحقيقية لا تنفصل عن التواضع، وقبول النقد، واحترام المختلف.
فسّر عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو الوسط الثقافي بوصفه «حقلًا» تتداخل فيه أعمال الكتّاب والفنانين مع سلطة الناشرين والنقاد والمؤسسات والأكاديميات. فالقيمة الثقافية لا يصنعها العمل وحده، بل تتأثر كذلك بالجهات التي تمنحه الاعتراف والانتشار [7] . ومن هنا تظهر خطورة الشللية حين تحتكر مجموعة محدودة سلطة النشر والنقد والتكريم؛ إذ تستطيع رفع أسماء بعينها وحجب أسماء أخرى، ولو لم يكن الفارق الإبداعي مبررًا لذلك.
وأشار عالم الاجتماع روبرت ميرتون إلى ظاهرة «الأثر التراكمي للميزة»، ومفادها أن أصحاب الشهرة والاعتراف السابق يحصلون غالبًا على مزيد من الاهتمام والفرص، بينما يصعب على الأقل شهرة نيل الاعتراف نفسه، حتى مع تقارب مستوى الإنجاز [8] . وهذا ما يحدث حين تؤدي الاستضافات والجوائز المتكررة إلى زيادة حضور الأسماء ذاتها، في حين تبقى المواهب الجديدة خارج دائرة الضوء.
أما عالم النفس إرفنغ جانيس فقد درس ظاهرة «التفكير الجمعي»، التي تحدث عندما تحرص المجموعة على توافقها الداخلي إلى درجة تتراجع معها قدرتها على النقد ودراسة البدائل [9] . وفي الوسط الثقافي تظهر هذه الحالة حين يتجنب أعضاء المجموعة نقد أعمال بعضهم، أو يعدّون الاعتراض نوعًا من الخيانة، أو يتوهمون أن اتفاقهم الداخلي دليل كافٍ على جودة ما يقدمونه.
وتوضح نظرية الهوية الاجتماعية أن الإنسان قد يصنف الناس ضمن دائرتين: «نحن» و«هم»، ثم يميل إلى تفضيل أعضاء مجموعته والنظر إلى الخارجين عنها بدرجة أقل من الثقة والقبول [10] . وحين يسيطر هذا التصنيف على المشهد الثقافي، يتحول النقد من تقويم للعمل إلى حكم على صاحبه بحسب انتمائه وعلاقاته.
وتؤكد دراسات النبذ الاجتماعي أن الإقصاء يهدد لدى الإنسان حاجته إلى الانتماء وتقدير الذات والشعور بالتأثير، وقد يقوده إلى الحزن أو الغضب أو الانسحاب والعزوف [11] . ولهذا لا تقتصر خسارة الشللية على إبعاد بعض الأسماء عن المنابر؛ فقد تؤدي كذلك إلى إحباط المواهب وإفقار المجتمع من إسهاماتها.
وفي المقابل، أبرز عالم الاجتماع مارك غرانوفيتر أهمية العلاقات التي تربط الفرد بأشخاص خارج دائرته القريبة؛ لأنها تساعد على انتقال المعلومات والفرص والأفكار بين الجماعات المختلفة [12] . وبناءً عليه، فإن انفتاح المؤسسات الثقافية على أسماء وتجارب جديدة لا يحقق العدالة وحدها، بل يثري المشهد الثقافي ويمنحه القدرة على التجدد.
تضعف الشللية المنافسة النزيهة، وتحبط المبدعين الجدد، وتدفع بعض أصحاب المواهب إلى العزوف عن المشاركة. كما تجعل المشهد متكررًا ومغلقًا؛ فتتداول الأسماء نفسها، وتُعاد الموضوعات ذاتها، وتتراجع مساحة التجريب والاختلاف.
وتضر الشللية بالنقد الثقافي؛ إذ قد يُمدح العمل الضعيف لأنه صادر عن شخص مقرب، ويُهمش العمل الجيد لأن صاحبه خارج الدائرة. وبذلك يفقد النقد وظيفته في التقويم والتطوير، ويتحول إلى مجاملة متبادلة أو وسيلة لتصفية الحسابات.
ولا تقتصر أضرار الشللية على المستبعَدين؛ فهي تضر أعضاءها أيضًا، لأنها تحرمهم من النقد الحقيقي وتضعهم داخل دائرة من التأييد المتبادل. ومع تكرار الفرص قد يظن المبدع أن حضوره المستمر دليل على تفوقه، بينما يستند جانب من هذا الحضور إلى حماية المجموعة. وعندما تتغير الظروف، قد يظهر ضعف التجربة الذي كانت العلاقات تخفيه.
كما تضر الشللية بالجمهور؛ لأنها تقدم له مشهدًا ثقافيًّا محدودًا لا يعكس تنوع المواهب والاتجاهات. وقد يفقد الجمهور ثقته بالمؤسسات الثقافية حين يشعر بأن الاختيارات والجوائز والتكريمات تحددها العلاقات أكثر مما تحددها جودة الأعمال.
لا تُواجه الشللية بتكوين شلة مضادة أو بالدخول في صراعات شخصية؛ لأن ذلك يعيد إنتاج المشكلة في صورة جديدة. وإنما تكون المواجهة ببناء مؤسسات ومنصات أكثر عدلًا وشفافية، وذلك من خلال:
1. إعلان معايير واضحة لاختيار المشاركين والمكرمين والأعمال المنشورة.
2. تشكيل لجان متنوعة ومستقلة، وتجنب سيطرة مجموعة واحدة على القرار.
3. تدوير المسؤوليات وعدم إبقاء إدارة المنابر في أيدٍ محدودة.
4. الإفصاح عن علاقات القرابة أو الصداقة أو المصالح المؤثرة في الاختيار.
5. تخصيص مساحة حقيقية للمواهب الجديدة.
6. اعتماد التحكيم المجهول للأعمال الأدبية والفنية متى أمكن.
7. توضيح أسباب الاختيار والاعتذار وفق معايير موضوعية.
8. دعم النقد المستقل وحماية حق الناقد في إبداء رأيه.
9. تقويم الفعاليات دوريًّا وقياس تنوع المشاركين فيها.
10. الفصل بين احترام الشخص والحكم على جودة عمله.
كما ينبغي أن يُناقش العمل الثقافي بعيدًا عن صاحبه وعلاقاته، وأن يُقبل الرأي المخالف ما دام قائمًا على المعرفة والحجة. فالثقافة لا تزدهر في بيئة مغلقة، وإنما تنمو في فضاء تتعدد فيه التجارب والرؤى، وتتاح فيه الفرصة لكل موهبة قادرة على الإضافة.
ينبغي أن يكون الانتماء في المجال الثقافي للفكرة والإبداع والقيمة الإنسانية، لا للأشخاص والجماعات. وكلما ارتفعت المؤسسات الثقافية في مستوى عدالتها وشفافيتها، اتسعت مساحة التجديد وتعززت ثقة الجمهور بالمشهد الثقافي.
إن العلاقات بين المثقفين والمبدعين يمكن أن تكون جسرًا للتعاون والإنتاج، لكنها تتحول إلى خطر حين تصبح وسيلة للإقصاء واحتكار الفرص. ولذلك تبدأ مواجهة الشللية باحترام الإبداع، وتغليب الاستحقاق، وتوسيع المشاركة، وإتاحة منابر عادلة تمكّن الطاقات المختلفة من الحضور والإسهام؛ فالعدل لا يحمي المستبعَدين وحدهم، بل يحمي الثقافة نفسها من الانغلاق والتكرار وفقدان المصداقية.














