آخر تحديث: 19 / 9 / 2026م - 4:40 م

ديوان بريال واحد

علي الحايك *


سقى الله أيام مكتبة الساحل الذهبي بالقطيف بالخير. كنا نذهب إليها لشراء الكتب في مختلف المجالات، وما زلت أذكر أن أول كتاب اقتنيته منها كان مسرحية «فاوست» للأديب الألماني غوته. فضلاً عن الذهاب إليها لشراء قلم «باركر» الذي كان الناس يتهافتون على اقتنائه وقتذاك، إذ كان رمزًا للكشخة، كما نقول بلهجتنا المحكية.

ومن المشاهد التي لا تزال عالقة في ذاكرتي، أنني في يومٍ من عام 2008 م، أي قبل ما يقرب من ثمانية عشر عامًا، لفتت انتباهي لافتة كُتب عليها: «سعر هذا الكتاب ريال واحد!»، وقد رُصَّت مجموعة كبيرة من النسخ فوق بعضها في أحد أركان المكتبة. ودهشت للوهلة الأولى من رخص الثمن إلى حدٍّ أثار فضولي، فتقدمت لأعاين الكتاب عن كثب وأتصفحه. وراودتني تساؤلات سريعة عن سبب هذا السعر الزهيد، ثم ما لبثت أن صرفت النظر عنها؛ لأن ما كان يهمني هو محتوى الكتاب.

كان الكتاب ديوانًا للشاعر السعودي - ابن القطيف - المرحوم عبد الوهاب حسن المهدي، رحمه الله، وعنوانه «بقايا الرماد». وقد استُوحي هذا العنوان من الحدث الأليم الذي وقع في السابع من صفر عام 1406 هـ، حين شبَّ حريق في منزل الشاعر، أودى بحياته وحياة زوجته وأطفاله الأربعة، رحمهم الله جميعًا.

وقد ضمَّ «بقايا الرماد» ما تبقى من شعره، بعدما التهمت النيران دواوينه الثلاثة: «ربيع الشباب»، و«من وحي القطيف»، و«قبس الإشراق» في ذلك الحادث المريع. وقد تولى السيد عدنان العوامي جمع الديوان والإشراف على طباعته، وطُبع على نفقة مكتبة الساحل الذهبي بالقطيف، وكتب مقدمته الأستاذ محمد رضي الشماسي.

أبهرتني تلك المشاعر الرقيقة والعذوبة التي تنضح بها قصائد الديوان، في زمنٍ كان الناس يقاسون شظف العيش وقسوة الحياة. ومع ذلك، تقرأ للشاعر أبياتًا تنضح بحسٍّ مُرهف، يخاطب فيها طائرًا:

أيها الطائر المغرِّد في الروضِ
حنانًا بخافقي وترفقْ

لا تثر هاجع السكينة في قلبي
فقلبي من التباريح مرهقْ

بين جنبي خافقٌ يتلظَّى
والحنايا فيها اللظى يتدفقْ

أما أكثر ما رحت أردده بعد قراءة الديوان، فهذه الأبيات العذبة التي تمنحنا الأمل لنقطع به الأيام. يقول:

فرحةُ العمرِ بالأماني العذابِ
يوم ألقاكَ يا ربيع شبابي

يا ربيع الشباب في عُمر ذاتي
أنت لي مُنتهى المُنى والرِّغابِ

ما رأينا من الأماني إلا
أنها سُلوةُ الحزينِ المُصابِ

ويصف حاله في أبيات أختم بها هذا المقال،

لا ترقُبي، عمدًا تجنِّيهِ
أو تجريحهِ، فإنهُ دَنِفٌ
في حُبِّهِ أبدًا، فراعيهِ
لا تؤلميه وأنتِ أُمنيةٌ
قد جُسِّدت آمالُها فيهِ