آخر تحديث: 18 / 9 / 2026م - 11:27 ص

مُسكن الفؤاد

أنيس آل دهيم *

خلال مجلس التأبين الذي أقمته على روح ابني الغالي يوسف أنيس، رحمة الله عليه، ذكر سماحة الشيخ عبدالله الردحة، حفظه الله، كتابا بعنوان «مُسكن الفؤاد عند فقد الأحبة والأولاد»، ونصحني بقراءته أو الاستماع إليه، لوجود نسخة صوتية منه على موقع «اليوتيوب»، لما يحمله هذا الكتاب من معان إيمانية ومواساة روحية تعين الإنسان على تحمل ألم الفقد، وتخفف شيئا من لوعة الفراق.

استمعت إلى نصيحته وذهبت أبحث عن الكتاب في «اليوتيوب»، فوجدت نسخته الصوتية، ثم اكتشفت أن لدينا نسخة مطبوعة منه في مكتبة البيت. ولم يقصر سماحة الشيخ، فقد أرسل إلي أيضا نسخة إلكترونية بصيغة PDF.

ومن هنا، فإنني أنصح الجميع بقراءة هذا الكتاب أو الاستماع إليه والاستفادة مما فيه، إن شاء الله. أسأل الله أن يطيل أعماركم وأعمار أحبتكم، وألا يريكم فيهم مكروها، إنه سميع مجيب.

كتاب «مسكن الفؤاد عند فقد الأحبة والأولاد» من تأليف الشهيد الثاني، الشيخ زين الدين بن علي بن أحمد الجُبعي العاملي، وتحقيق مؤسسة آل البيت لإحياء التراث. وهو كتاب صغير في حجمه، لكنه عظيم في معانيه، عميق في أثره، يخاطب قلب الإنسان المفجوع بفقد أحد أحبته، ولا سيما الأب أو الأم اللذين فقدا ولدا.

وما يزيد هذا الكتاب صدقا وتأثيرا أن مؤلفه لم يكتب عن الفقد من بعيد، ولم يتحدث عنه بوصفه فكرة نظرية، بل كتبه بقلب أب عرف مرارة المصيبة وذاق ألم فقد الأبناء. ولذلك جاءت كلماته قريبة من القلب، تجمع بين الآيات القرآنية والأحاديث والروايات والمواعظ والقصص، وبين التأمل العقلي والروحي في حقيقة الحياة والموت والابتلاء.

ينطلق الكتاب من حقيقة إيمانية عظيمة، وهي أن الإنسان وكل ما يملكه هو لله سبحانه وتعالى، وأن أبناءنا وأحبتنا نِعم وودائع أكرمنا الله بهم مدة من الزمن، ثم يسترد سبحانه وديعته في الوقت الذي يريده، ولحكمة لا يحيط بها إلا علمه.

وهذا المعنى لا يلغي محبتنا لأبنائنا، ولا يمحو ذكرياتهم من قلوبنا، ولا يمنعنا من البكاء والاشتياق إليهم، لكنه يذكرنا بأنهم لم يضيعوا، وإنما انتقلوا من دار الفناء إلى دار البقاء، ومن رحمتنا المحدودة إلى رحمة الله التي وسعت كل شيء.

فالموت يوقف اللقاء في هذه الدنيا، لكنه لا يقطع المحبة، ولا يمنع الدعاء، ولا يفقدنا الأمل في اجتماع أجمل وأبقى في الآخرة، حيث لا موت ولا فراق ولا حزن.

ومن المعاني التي لامست قلبي في هذا الكتاب أن قيمة حياة الإنسان لا تقاس بعدد السنوات التي عاشها، بل بما تركه خلالها من عمل صالح ومحبة وخير في قلوب الآخرين. فقد يعيش الإنسان عمرا طويلا ثم يرحل دون أن يترك أثرا، وقد يعيش سنوات قليلة، لكنه يزرع في القلوب محبة لا تنتهي، ويترك ذكرى طيبة تستمر بعد رحيله.

إن فقد الابن لا يعني أن حياته كانت ناقصة أو بلا غاية، فقد يكون وجوده القصير رسالة عظيمة تغير حياة أسرته ومن حوله، وقد يتحول اسمه بعد رحيله إلى مصدر للخير، من خلال الصدقة والدعاء والمبادرات والأعمال الصالحة التي تُقام تخليدا لذكراه.

ويوضح الشهيد الثاني أن الصبر لا يعني أن يتوقف الإنسان عن الحزن، ولا أن تجف دموعه، ولا أن ينسى فقيده. الصبر هو أن يحفظ الإنسان قلبه من اليأس، ولسانه من الاعتراض، ونفسه من القنوط، مع بقاء الألم والاشتياق.

قد يكون الإنسان صابرا، لكنه يبكي كلما تذكر ولده، وقد يكون راضيا بقضاء الله، لكنه يشعر بالحنين إليه في كل يوم. فلا تناقض بين الإيمان والحزن، ولا بين الرضا والدموع.

الصبر الحقيقي هو أن تقول وأنت تتألم: الحمد لله رب العالمين، وإنا لله وإنا إليه راجعون. وأن تعلم أن الله أرحم بولدك منك، وأنه سبحانه لا يضيع من لجأ إليه، وأن ما ينتظر المؤمن في الآخرة أعظم وأبقى مما فقده في الدنيا.

ويفرق الكتاب بين الصبر والرضا، فالصبر أن يتحمل الإنسان المصيبة ويمنع نفسه من الاعتراض، أما الرضا فهو أن يطمئن قلبه إلى حكمة الله، ويثق بأن ما اختاره الله لعبده خير، حتى إن لم يستطع الإنسان فهم الحكمة كاملة في هذه الحياة.

لكن الوصول إلى الرضا ليس أمرا سهلا، ولا يحدث في لحظة واحدة، فهو رحلة طويلة يمر فيها القلب بمراحل من الحزن والاشتياق والضعف، ثم يستعيد قوته بالإيمان والدعاء والقرآن.

ولهذا لا ينبغي أن نلوم الإنسان المفجوع إذا تجدد حزنه، أو عاد إليه الألم بعد أيام أو أشهر أو سنوات. فبعض الأحزان لا تنتهي، لكنها تتغير مع الزمن. نتعلم كيف نحملها، وكيف نحولها إلى دعاء، وكيف نجعلها طريقا يقربنا من الله ومن أحبتنا الراحلين.

ومن أجمل ما جاء في الكتاب تأكيده أن البكاء على الميت لا ينافي الصبر ولا الرضا بقضاء الله، فقد بكى الأنبياء والصالحون على أحبتهم، وبكى رسول الله ﷺ عند الفقد، لأن الدموع تعبير عن الرحمة والمحبة والاشتياق.

البكاء ليس ضعفا، وليس اعتراضا على قضاء الله، وإنما الممنوع هو اليأس من رحمته، أو السخط على حكمه، أو قول ما لا يرضيه سبحانه.

نحن نبكي لأننا أحببنا، ونشتاق لأن الراحل كان جزءا من أرواحنا وحياتنا. وكيف يُطلب من أب فقد ابنه أن يمحو صورته من ذاكرته، أو أن ينسى صوته وضحكته وأحلامه؟

إن القلب المؤمن يبكي، لكنه لا يفقد رجاءه، يحزن، لكنه لا ييأس، يشتاق، لكنه يوقن بأن اللقاء آت بإذن الله.

ولا يطلب الكتاب من الإنسان أن ينسى فقيده، وإنما يعلمه كيف يحفظ ذكراه بطريقة تنفعه وتنفع الراحل. فالدعاء والصدقة وقراءة القرآن وإهداء الثواب، وإقامة الأعمال الخيرية والمشروعات النافعة باسمه، كلها صور من الوفاء والمحبة المستمرة.

فالفقيد يغيب عن أعيننا، لكنه يبقى حاضرا في دعائنا وأعمالنا وذكرياتنا، وكل خير نفعله باسمه يصبح جسرا من المحبة يمتد بين الدنيا والآخرة.

إن الوفاء الحقيقي لأبنائنا الراحلين لا يكون بالبكاء عليهم وحده، بل بأن نحمل قيمهم وأحلامهم، وأن نجعل من أسمائهم أبوابا للخير والعطاء، وأن نروي سيرتهم الجميلة لتكون مصدر إلهام للآخرين.

ويتحدث الكتاب أيضا عن أهمية مواساة أهل الميت، وأن التعزية ليست كلمات عابرة تقال ثم تنسى، بل موقف إنساني وإيماني يحتاج إليه القلب المفجوع. فمن فقد عزيزا لا يحتاج دائما إلى كثرة المواعظ، بل يحتاج أحيانا إلى من يجلس إلى جواره، ويستمع إليه، ويشاركه الصمت، ويدعو لفقيده، ويشعره بأنه ليس وحيدا في حزنه.

وقد لمست ذلك بنفسي بعد رحيل ابني يوسف، رحمه الله، فكلمة صادقة، أو دعاء خالص، أو موقف كريم، أو ذكرى جميلة يرويها أحد أصدقائه، قد تخفف عن القلب شيئا من الألم، وتشعر الأب بأن ابنه ما زال حاضرا في ذاكرة الناس وقلوبهم.

إن كتاب «مُسكن الفؤاد عند فقد الأحبة والأولاد» لا يستطيع أن يمحو ألم الفقد، فلا شيء في الدنيا يعوّض الإنسان عن ولده أو حبيبه، لكنه يضع على الجرح بلسما من الصبر واليقين والرجاء، ويذكر القلب بأن الفراق مؤقت، وأن رحمة الله أوسع من أحزاننا، وأن لقاء الأحبة في الآخرة هو الأمل الذي نعيش عليه.

لقد تعلمت من هذا الكتاب أن فقد الأحبة جرح قد يبقى معنا طوال العمر، لكن الإيمان يمنع هذا الجرح من أن يتحول إلى يأس. نبكي لأننا نحب، ونصبر لأننا نؤمن، وندعو لأن الصلة لم تنقطع، ونرجو اللقاء لأن وعد الله حق.

رحم الله ابني الحبيب يوسف أنيس، وأسكنه فسيح جناته، وجعله شفيعا لنا، وجمعنا به في مستقر رحمته.

والحمد لله رب العالمين، وإنا لله وإنا إليه راجعون.