بعمر الزهور

منذ طفولتي، اعتدنا أن نقضي إحدى ليالي الأسبوع في زيارة الأقارب، وكانت تلك الزيارات بالنسبة لنا جزءًا ثابتًا من الأسبوع؛ نجتمع، ونسهر، ونقضي الوقت في مشاهدة مسلسلات الكرتون واللعب كأي أطفال في ذلك العمر. وحين بلغت الثانية عشرة تقريبًا، افتُتح محل صغير جدًا لا يبيع سوى البطاطس المقلية. كان يعبئ الكيس بريال واحد فقط، أما مساحة المحل فلا أظنها تتجاوز مترًا ونصفًا؛ بالكاد تتسع للبائع والمقلاة أمامه، ويبيع للزبائن الواقفين عند الرصيف.
في إحدى الليالي، كنا نشاهد مسلسلات الكرتون كعادتنا، وقد تجاوز الوقت الحادية عشرة ليلًا. فتشت جيبي فوجدت ريالين متبقيين من مصروفي، فقلت: ألحق على البطاطس قبل لا يقفل.
حين اقتربت من المحل، سمعت البائع يقول لصبيين كانا أمامه:
«بعطيكم بطاطس ببلاش، بس روحوا للسيارة اللي هناك واركبوا، وأجيكم».
رأيتهما يتجهان إلى السيارة التي أشار إليها، ثم بدأ الرجل بإغلاق المحل.
وقتها لم أستوعب شيئًا. ركضت نحوه:
«لحظة لحظة، أبي بطاطس!»
التفت إليّ مرتبكًا وقال بسرعة:
«روح روح، خلص! خلص!»
رجعت وأنا أفكر: شلون خلص؟ والبطاطس اللي قال بيعطيهم إياها وين؟ بيقليها لهم داخل السيارة يعني؟!
بعدما دخلت المنزل وبدأت أسترجع المشهد، فهمت أن الموضوع لم يكن له علاقة بالبطاطس أصلًا، وأن الرجل كان يحاول استدراج الطفلين لشيء آخر.
وقتها فقط استوعبت الموقف، وكانت صدمة متأخرة.
وللأسف، لم تكن تلك الحادثة الوحيدة.
كان هناك أيضًا محل لبيع ألعاب السيجا و«كمبيوتر العائلة». وذات مرة أردت شراء شريط لعبة «الكابتن ماجد»، وكان سعره 90 ريالًا، بينما لم يكن معي إلا ورقة من فئة 100 ريال.
أخبرني البائع بأنه لا يملك عشرة ريالات لإعادة الباقي، وأنه مشغول، ثم عرض عليّ أن أدخل خلف الكاونتر وألعب مع بقية الأولاد مجانًا حتى تتوفر لديه الفكة.
كان العرض مغريًا لطفل في ذلك العمر، خصوصًا أنني رأيت بالفعل مجموعة من الصغار يلعبون خلف الكاونتر.
ترددت قليلًا ثم دخلت.
بعد لحظات بدأت ألاحظ تصرفات غير مريحة من البائع تجاه أحد الأطفال، وتجاوزًا واضحًا للحدود الطبيعية في التعامل معه. الطفل نفسه بدا وكأن الأمر أصبح بالنسبة إليه شيئًا معتادًا مقابل السماح له باللعب مجانًا.
هنا تغير كل شيء بالنسبة إليّ.
حين عاد البائع إليّ قلت له إنني لم أعد أريد اللعب، وأريد فقط شراء الشريط.
لكنه أخذ يماطل طويلًا، حتى اقترب الوقت من الحادية عشرة ليلًا، ثم قدّم عرضًا أغرب: أن يعطيني الشريط مجانًا، على أن آخذه منه داخل الحمامات العامة المجاورة للمحل.
وتلك الحمامات تحديدًا كانت مكانًا أتجنب دخوله حتى في وضح النهار؛ مظلمة، مهملة، وتنبعث منها روائح لا تشجع إنسانًا طبيعيًا على الاقتراب منها أصلًا.
كان يظن، على ما يبدو، أن كلمة «مجانًا» كافية لإلغاء كل علامات الاستفهام!
هنا لم يعد لدي شك في أن شيئًا غير سليم يجري. مددت يدي، أخذت الشريط، ووضعت المئة ريال أمامه، وقلت له إنني لا أريد العشرة ريالات أصلًا، ثم خرجت.
مرت سنوات طويلة على تلك المواقف، لكنني ما زلت أتذكرها؛ ربما لأن الطفل لا يفهم دائمًا ما يحدث لحظتها، وإنما يدرك حجم الموقف بعد ذلك.
وكم من طفل «بعمر الزهور» وقع في مواقف مشابهة، بعضهم بالقوة، وبعضهم بالاستدراج أو الهدايا أو اللعب أو غيرها من المغريات البسيطة التي قد تبدو للطفل كبيرة جدًا.
المقصود من سرد هذه القصص ليس تخويف الأهالي من خروج أبنائهم، ولا زرع الشك في كل من حولهم؛ وإنما التأكيد على أهمية التوعية المبكرة والواضحة.
علّموا أطفالكم ألا يركبوا سيارة شخص غريب، وألا يذهبوا إلى مكان منعزل معه، وألا يستجيبوا لعرض أو هدية مشروطة بتصرف يثير خوفهم أو ريبتهم. وعلّموهم أن يبتعدوا ويستنجدوا بمن حولهم متى استطاعوا، وأن يخبروا والديهم فورًا إذا حاول أحد استدراجهم أو تجاوز حدودهم.
وعلّموهم أن لأجسادهم خصوصية وحدودًا، سواء كان المتجاوز غريبًا أو شخصًا يعرفونه، وكيف يتصرفون إذا واجهوا موقفًا لا يستطيعون فيه الرفض أو الهرب.
والأهم من ذلك كله: اجعلوا الطفل يعرف مسبقًا أن بإمكانه أن يخبركم بما حدث من دون خوف أو إحراج، وأنكم ستستمعون إليه وتتعاملون مع ما يقوله بجدية.
فالمعتدي قد يعتمد على جهل الطفل، أو خوفه، أو صمته؛ أما الطفل الذي يعرف علامات الخطر، ويعرف كيف يطلب المساعدة وإلى من يلجأ، فهو أقدر على حماية نفسه قدر المستطاع.














