انكسار / سقوط العقل

غالبًا ما نسمع أن الثقة عندما تنكسر ينكسر معها كل شيء وخصوصًا في جانب العلاقات الإنسانية، فلا تعود كما كانت، وإن عادت فيمكن أن نصفها بعودة عرجاء هشة وضعيفة، ولا يمكن أن تُبنى عليها قاعدة صالحة لإنشاء علاقات متينة بيننا وبين الآخرين مرة أخرى. هذه هي النتيجة العامة والمتوقعة لعلة الشرخ الذي أوجد الفجوة المترهلة ذات التربة السبخة، التي لا يمكن أن نؤسس عليها، فهي غير متماسكة، ومشبعة بسوء الظن في أي تصرف أو محاولة للعودة إلى الوضع الذي سبق ذلك الكسر.
في موضوع العلاقات وانكسارها ثم سقوطها، يحدث ذلك الأمر ولا أحد يستغرب حدوثه، فهو مما اعتاد عليه الناس في علاقاتهم مع بالغ الأسى، انكسار بسبب كلمة أو جملة أو أي وحدة تعبيرية صدرت، صغيرة كانت أم كبيرة؛ وانكسار بسبب سلوك أو تصرف أو نهج أو خُلق حصل، يحدث ذلك ويتكرر حدوثه.
وبحسب طبيعة البشر، التي لا تتصف بالملائكية، يستمر ذلك السيل الجارف من خسارة العلاقات الوطيدة بين بني الإنسان، بيد أنّ هنالك أطرافًا لديها نوايا حسنة وصادقة تتدخل كوسيط إيجابي؛ لإعادة المياه إلى مجاريها والعلاقات إلى سابق عهدها أو على أقل تقدير إلى بعضٍ من سابق عهدها، وقد يكون النجاح حليفهم في رأب الصدع وردم الهوة، غير أنه من غير المرجح لتلك المساعي الطيبة أن تجد التوفيق للإصلاح إن كان الكسر الذي حدث هو في العقل تحديدًا، وبخاصة ممن كنا نتوسم فيهم العقل الراجح والفهم المتزن والحكمة في القول والمسؤولية في العمل، هذا الكسر الدقيق يدمر العلاقة بالكلية فلا تعود لها قائمة ولا حتى بصيص أمل كي تعود، سقوط مدوٍّ، ويا له من سقوط!
سقوط يبدأ من مرحلة التشكيك وصولًا إلى مرحلة اليقين بأن الطرف الآخر في العلاقة ضعيف العقل، واهن الحجة، بليد الفكر، كسر في عمود خيمتنا التي جمعتنا معه يؤدي إلى تقوّضها؛ مما يصعب بعد ذلك السقوط إلى لَمّ الشمل وجبر الكسر، بل إلى التجافي والخصومة، ثم الفرقة والقطيعة.
هذا الحكم على الآخرين ممن تربطنا بهم علاقات متينة لهو حكم صعب ومتشابك ومعقد؛ لذا لا بد ألّا يكون وليد ردة فعل متسرعة أو استجابة لمشاعر لحظية، وإنما يكون صادرًا بعد سلسلة طويلة من المواقف التي جمعتنا معهم، وبعد سلسلة أطول من الدراسة والدقة والتمحيص التي تؤكد صحة حكمنا وصوابية قرارنا؛ حتى لا يشوب ذلك الحُكم الضبابية والجور والظلم، وبالتالي الندم والحسرة على خسارة علاقات رائعة مع أناس رائعين قد لا يتكررون في القادم من أيامنا القليلة في هذه الحياة.
بعض العقول الضئيلة فكرًا وإدراكًا قد تصنف ذلك الإلغاء للعلاقات، الذي كان سببه سقوط العقل، بالحقد أو غياب التسامح عن نفس من قام بالإلغاء، ولكن ذلك مجانب للصحة ألبتة فسقوط العقل إن كان مبنيًا على وقائع وبراهين ودراسة متأنية يعني - وبكل بساطة - أن اختيار تلك العلاقة من أصله خاطئ، فلا توافق في العقل ولا تلاؤم في الفكر ولا تناسب في النظرة.
غير أنه لا يعني أن اكتشاف مكمن الخلل والذي أدى إلى إلغاء العلاقات أن تحل محل المودة والمحبة والنبل الخصومة والعداوة والبغضاء، بل يمكن أن تصل هذه العلاقات إلى منطقة الاحترام المتبادل، مع استبدال المتانة في العلاقة إلى السطحية وقبول كل طرف بالوضع الجديد كحدٍّ أدنى.
ولعلنا نختم موضوعنا بآية عظيمة ثم بعبارتين ذهبيتين تنظم سلوكنا بعد انتهاء العلاقة:
• قال الله تعالى في محكم كتابه العزيز: ﴿وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ [البقرة: 237]
• يقول جبران خليل جبران:
«البعض يتواصل بالعقول، والبعض بالقلوب، فإذا اختلف الوعي تباعدت الطرق، ولكن يبقى النبيل يحمل في قلبه سلامًا لكل من عبر حياته».
• ويقول مصطفى محمود:
«من أمارات النبل والوعي أن تفارق من لا تشبهه فكريًا بإحسان، فالخلاف الفكري لا يبيح هدم الود، والعقلاء ينسحبون في صمت مهيب».














