آخر تحديث: 16 / 9 / 2026م - 11:55 ص

لماذا لا تجتمع عظمة المتواضع مع وهم المغرور

جمال حسن المطوع


سؤال مشروع يطرحه العقلاء في تقييم منطقي بين سلوكين مختلفين، أحدهما إيجابي والآخر سلبي، في فن التعامل مع من نحن على تماس معهم، من خلال تعاملاتنا وعلاقاتنا وروابطنا الاجتماعية والإنسانية والأخلاقية.

من هنا تأتي عظمة المتواضع في تبنيه منهجًا وطريقًا يكسب به ثقة الناس، لأن مواقفه المشرفة هي أكبر دليل على تمسكه بالتواضع الذي تعطيه وتمنحه خصالًا كريمة لا حدود لها، ومنها طاعة الله ونيل رضاه والمنزلة الرفيعة عند المجتمع، وبما أن تقرّب العبد إلى الله بالتواضع سبب لنيل خير الدنيا ونعيم الآخرة.

وهو كذلك يزرع محبة الناس له ليكون محبوبًا وقريبًا من قلوب الآخرين، ويزيده احترامًا متبادلًا، ويعمل هذا على تقليل النزاعات، حيث لا مكان للكبر والتعالي، مما يقلل المشاحنات والخلافات بين الناس، ويولّد مجالًا واسعًا لقبول الحق ويجعل المتواضع أكثر انفتاحًا على الحقيقة والاعتراف بالخطأ والتعلم من الآخرين، ويخلق الأمان والاطمئنان في وجدانه وشعوره، بجعله إنسانًا متوازنًا عاطفيًا، وبراحة نفسية بعيدة عن الغرور والأنانية.

كل هذه الإيجابيات تعطي الدافع في التمسك بمبادئ التواضع قلبًا وقالبًا.

وعلى الجانب الآخر من بحثنا هذا، نركز على الصفات الذميمة لوهم الغرور الذي يتخذه بعض الناس سلوكًا مشينًا في تصرفاتهم وأعمالهم المنافية لروح الواقع، وما ينتج عن أفعال هؤلاء وردود أفعالهم في غرورهم من مواقف معينة، وتأخذهم نشوة كاذبة يتمادون معها في غيهم وضلالهم المقيت.

وأبرزها ينحصر في نقاط تظهر صفات وعلامات الشخص المغرور، وهو التركيز الدائم على حياته وشخصيته النفسية، حيث يميل المغرور إلى إبراز نفسه وإنجازاته في كل المناسبات، وغالبًا ما يبالغ فيها وينتظر الثناء دون وجه حق.

إضافة إلى احتكار الصواب، ويتصور أنه على الحق دائمًا، وينظر إلى آراء غيره دون تقدير أو احترام، ويعتقد أن من يخالفه الرأي جاهل أو مخطئ، بل الأدهى من ذلك رفضه للنقد، بل يغضب سريعًا إذا انتقد أحدهم أفعاله، ولا يعترف بأخطائه، بل يلقي اللوم دائمًا على الآخرين أو على الظروف الخارجية.

وفوق هذا وذاك، يتشاطر بمقاطعة المتحدثين الآخرين باستمرار أثناء الحديث؛ لأنه يعتقد أن رأيه هو الأهم وأنه صاحب المعرفة المطلقة، مما يولد كل هذا موقفًا يتسم بقلة التعاطف وعدم تقدير جهود الآخرين؛ لأنه يفتقر للقدرة على تفهم مشاعر من حوله أو الاهتمام بتجاربهم، وينسب نجاح أي عمل جماعي إلى نفسه فقط.

هنا تقع المفارقة المنطقية والعقلانية بين نموذجين متناقضين في الطرح والنظرة بكيفية التعامل مع المجتمع، والتي تعطينا تفهمًا واضحًا لا لبس فيه للاتجاه المحمود الفعّال ونقيضه، وفي نهاية المطاف، لا يصح إلا الصحيح في عالم يعج بالكثير من الاختيارات والاختبارات الموجبة والسالبة.

ولكن اللبيب هو من يتخذ ما يتوافق مع عقله ورشده من قيم ومبادئ، تعطي الإنسان أرضية صالحة دينيًا ودنيويًا، تحميه من كل الآفات والعيوب والمثالب، لا سمح الله، حاضرًا ومستقبلًا.

والله ولي التوفيق.