آخر تحديث: 16 / 9 / 2026م - 11:55 ص

الكذب مفتاح الخبائث


من الكلمات البليغة الواردة عن الإمام الحسن العسكري :

«جُعِلَتِ الخبائثُ كلُّها في بيتٍ، وجُعِلَ مفتاحُها الكذبَ». [1] 

كلمة قصيرة في ألفاظها، عظيمة في دلالتها، تكشف عن حقيقة أخلاقية عميقة؛ فالكذب ليس خطأً عابرًا أو ذنبًا منفردًا، بل هو الباب الذي تتسلل منه كثير من الرذائل إلى حياة الإنسان. وحين يعتاد المرء الكذب، يصبح قادرًا على ارتكاب الخطأ ثم إخفائه، وعلى ظلم الآخرين ثم التنصل من مسؤوليته، وعلى خيانة الأمانة ثم اختلاق الأعذار لتبرير فعلته.

لقد شبّه الإمام العسكري الخبائث ببيت مغلق، وجعل الكذب مفتاحًا له؛ لأن كثيرًا من الذنوب تبقى ثقيلة على النفس ما دام الإنسان يخشى انكشافها، فإذا استسهل الكذب زال عنه ذلك الحاجز، وأصبح ارتكاب الخطأ أيسر؛ إذ يظن أنه يستطيع ستره بكلمة زائفة أو قصة مختلقة. وهكذا لا يبقى الكذب وحيدًا، بل يستدعي وراءه سلسلة من الأكاذيب والمخالفات.

والكذب لا يهدم أخلاق صاحبه فحسب، وإنما يهدم الثقة التي تقوم عليها العلاقات الإنسانية. فحين يدخل بين الزوجين يزعزع استقرار الأسرة، وحين ينتشر بين الأصدقاء يفسد المودة، وحين يتسلل إلى العمل يضيّع الحقوق، وحين يصبح لغةً في المجتمع تختلط الحقائق وتنتشر الشائعات ويصعب الاطمئنان إلى الأقوال والوعود.

أما الصدق، فهو سياج يحمي الإنسان من كثير من الانحرافات؛ لأن الصادق يعلم أنه سيعترف بفعله ويتحمل مسؤوليته، فيفكر قبل أن يُقدم على الخطأ. وقد يكون الصدق مؤلمًا للحظة، لكنه يمنح صاحبه راحة الضمير ويحفظ كرامته، بينما يمنح الكذب نجاةً مؤقتة، ثم يترك وراءه خوفًا وقلقًا وفقدانًا للثقة.

وتبدأ تربية الأبناء على الصدق من القدوة الحسنة؛ فلا نطالب الطفل بالصدق ثم يسمع منا ما يخالف الحقيقة، ولا نعاقبه بقسوة عندما يعترف بخطئه، بل نُشعره بأن صدقه موضع تقدير، مع توجيهه إلى إصلاح ما أخطأ فيه. فالبيت الذي يُعظِّم الصدق يزرع في أبنائه الشجاعة والأمانة وتحمل المسؤولية.

إن كلمة الإمام العسكري تدعونا إلى مراقبة ألسنتنا، وإلى ألا نستهين بما يسمى «الكذبة الصغيرة»؛ فالأبواب الكبيرة قد تُفتح بمفاتيح صغيرة. ومن أغلق باب الكذب، أغلق على نفسه أبوابًا كثيرة من الشر، ومن جعل الصدق منهجًا لحياته، عاش نقيّ القلب، محفوظ الكرامة، موضع ثقة ومحبة بين الناس.

[1]  جامع الأخبار «معارج اليقين في أصول الدين»، الشيخ محمد الشعيري السبزواري، ص 418، الدرة الباهرة من الأصداف الطاهرة «تحقيق الصغير»، الشهيد الأول، ص 11، جامع السعادات، ج 2، ملا محمد مهدي النراقي، ص 249، كتاب المكاسب، ج 2، الشيخ الأنصاري، ص 12، مستدرك سفينة البحار، ج 9، الشيخ علي النمازي الشاهرودي، ص 77، مصباح الفقاهة، ج 1، تقرير بحث السيد الخوئي للتبريزي، ص 594
استشاري طب أطفال وحساسية