آخر تحديث: 16 / 9 / 2026م - 11:55 ص

الحلم الأفريقي

المهندس أمير الصالح *


كل سكان الأرض لديهم أحلام جميلة وطموحات كبيرة، سعى بعضهم، ويسعى بعضهم الآخر لتحقيقها بشكل جاد ومثابر ومستمر. الكل تقريبًا سمع ولو لمرة واحدة في حياته عما يسمى بالحلم الأمريكي أو الحلم الكندي أو الحلم الأوروبي. ومعظم تلك الأحلام تبدأ كصورة جميلة مقتبسة مما يشاهده البعض عبر شاشات التلفاز، ومنها امتلاك وظيفة ذات دخل مالي مرموق ومستدام، وسيارة حديثة، ومنزل ضخم، والاقتران بزوجة جميلة، وتكوين أسرة مكونة من أطفال جميلين يرتدون ملابس أنيقة. إلا أن البعض يُصدم بواقع الحال بعد وصوله هناك. نرى ونسمع من سعى ويسعى من عدة قارات، وبأعداد كبيرة من الناس، بالهجرة الشرعية وغير الشرعية عبر التحرك من بلدانهم الراهنة بحثًا في الأرض عن الرزق، والأماكن ذات فرص العمل الكريم والحياة المالية الكريمة، وهامش الحرية العالي، والأمان الأكبر، أو الاستقلال الأكثر. ولعقود، ردد الإعلام العالمي مصطلح الحلم الأوروبي أولًا، ثم ردد مصطلح «الحلم الأمريكي» ثانيًا، وحديثًا، يردد الإعلام العالمي مصطلح «الحلم الكندي / الأسترالي / النيوزيلندي». ولكن حتمًا لم نسمع أحدًا يخطر بباله شيء اسمه الحلم الأفريقي؛ لأنه ضرب من الخيال، لاسيما عندما يهاجر الناس خارج أفريقيا طلبًا لحياة كريمة، لكون القارة السوداء أضحت مكان احتراق الأحلام واندثار الآمال وهجرة شباب القوارب نحو أوروبا أولًا والعالم ثانيًا. فإن الأغلب يستشعر بأن الأحلام الوردية التي تداعب مخيلته لا تتحقق إلا في أوروبا وأمريكا الشمالية!

الحلم الأفريقي 2047

أنتج أحد الأفراد فيلمًا بالذكاء الاصطناعي، وحمل الفيلم عنوان «الحلم الأفريقي 2047»، ليعبر عما قد يكون خيالًا مستقبليًا وقابلًا للتحقق في يوم من الأيام، ولو بالمستقبل البعيد، أي بحلول عام 2047 م. وعبّر منتج الفيلم، وهو مخرجه، بطريقة تناظرية ذكية وخلاقة عما سيعانيه الأوروبيون بعد اندثار حضارتهم وتهشم اقتصادهم وأحوالهم عند التقدم بطلبات اللجوء أو الإقامة الدائمة أو العمل بأفريقيا المتطورة يومئذٍ. وسجل المخرج للفيلم مشاهد لحوار أفراد الأسر الأوروبية حينما يطارد الأوروبيون المنهكون طلبات الحلم الأفريقي استجداءً للدخول إلى الأراضي الأفريقية! حتمًا أي شخص شاهد أو سيشاهد الفيلم سيضحك وقد يتهكم، إلا أن الخيال العلمي ليس له حدود، وكل شيء قابل للطرح والنقاش والحوار.

دولة رواندا شمعة يتيمة

ما بعد تجاوز صراع قبائل الهوتو والتوتسي، هل تتحول دولة رواندا إلى نقطة انطلاق شرارة التغيير الإيجابي لكامل سكان القارة السمراء، أم أن ذلك النجاح برواندا سيظل تجربة يتيمة، أم مرحلة مؤقتة قابلة للتهشم من جديد؟

سكان قارة أفريقيا هم الأعلى نسبةً من الشباب من كل قارات العالم. وأعلى نسبة من المعادن النادرة والنفيسة والمهمة لصناعات التكنولوجيا أيضًا موجودة في قارة أفريقيا. ويوجد نفط وأنهار وثروات مائية وحيوانية كبيرة جدًا. حديثًا، تجولت في أروقة بعض الجامعات الغربية، فشاهدت بأم عيني أن أكثر طلاب مرحلة الدكتوراه في أغلبها هم من أصول دول أفريقية «بما فيهم الشمال العربي الأفريقي»، ومن أصول دول آسيوية «الصينيون والهنود». ولاحظت في ذات الوقت شبه عزوف لافت في صفوف الشباب الأمريكي / الكندي من الدراسات العليا، فضلًا عن انغماس عدد كبير منهم بمباهج الدنيا الليلية.

يا ترى كيف سيكون الحلم الآسيوي بنسخته الصينية أو الهندية إذا ما نجح الصينيون أو الهنود في السيطرة على العالم اقتصاديًا وفي التصنيع والتجارة؟ شخصيًا، كشاهد عيان على وجود عمال بناء من كوريا الجنوبية في الثمانينات، والآن أستغرب كيف بدأ عمال كوريا الجنوبية سابقًا وما انتهوا إليه الآن من مستوى معيشي مميز.

الأحلام الخيالية قد لا تكون واقعًا ملموسًا في هذا اليوم، وقد تكون محطة استهزاء عند البعض واستنكار عند البعض الآخر، ولكن لنتذكر جميعًا أن فكرة الغواصة، وفكرة الطائرة، وفكرة ناطحات السحاب، وفكرة غزو الإنسان للفضاء الخارجي، كانت في يوم من الأيام مجرد أحلام أو رسومات على ورق، تراود البعض، وأضحت اليوم حقيقةً ملموسةً بعد توفيق الله وإعانته!