آخر تحديث: 16 / 9 / 2026م - 11:55 ص

المدارسُ الشعريَّة الحديثةُ في الأدبِ السُّعودي

محمد الحميدي * مجلة اليمامة

يتفاوتُ الشعراء ويختلفون بحسبِ شاعريتهم وعطائهم في الساحةِ الأدبية، فأحدهم يشارك بخجل وعلى استحياء، بينما آخرُ يشارك بانتظام فتعرفُ موهبته وإبداعه وتتمُّ متابعته وتتبع أخباره، إذ كلما كثُرت مشاركاته وحضوره غدا أكثر تأثيراً وجماهيريَّة، وأصبح له مريدون ومحبونَ من الشعراء والنقاد، وقد تحصلُ حوله معارك انتصاراً لشعره وشاعريَّته، وأنه الأحق بالاستضافةِ والاستماع، وهذه عمليَّة طبيعية تؤسس لمرحلة لاحقة هي مرحلةُ الاتجاهات والمدارس.

تزدحمُ المملكة بعدد هائل من الشعراء المتفاوتينَ في مستوياتهم وأدائهم، وبالتالي حضورهم وتأثيرهم على الساحةِ الأدبية، وغالبيتهم لا يمتلك اتجاهاً شعريًّا خاصًّا أو ينتمي لمدرسة معينة يعمل على السيرِ فيها ورعايتها، كما هو الحالُ مع محمود درويش ونِزار قباني، وبدرجةٍ أقل إيليا أبو ماضي وبدوي الجبل، فهؤلاءِ يحضرون بشكل أو آخر ولهم مريدُون ومحبون، ويشبههم في المملكةِ من ناحية الحضورِ والتأثير والتأسيس ثلاثةُ شعراء، هم: محمَّد الثبيتي وجاسِم الصحيح ومحمَّد يعقوب.

كلُّ شاعر منهم يختلف عن الآخر، حيث له مزايا تقرِّبه أو تبعِّده عن البقية، ويظل الإجماع قائماً على شاعريَّتهم وانتمائهم إلى مدارس مستقلَّة استطاعوا تأسيسها والسيرَ فيها، وإن بدَت لدى الثبيتي والصحيح أوضح بسببِ العامل الزمني والأسبقيَّة في الظهورِ عن محمَّد يعقوب، الذي سيحتاجُ وقتاً كي تستوعبَ الساحة سيرته ومسيرته وأشعارِه وترى فيه مدرسة يمكن اتِّباعها.

يتميَّز محمد الثبيتي باللجوء إلى الرمزية والاتكاءِ على الغنائية وأخذِ أفكاره وبنائها من الموروثِ البدوي، حيث يعود بذاكرته إلى العادات والتقاليد والحياة العربيَّة في شقها الصحراوي، موظفاً ثراءها الكبير في تكوينِ صوره ثم إسقاطها على واقعه، ولا تكتملُ قصيدته إلا بإدخالِ ذاته لتغدو أحدَ عناصرها، بل ربما أبرز ما فيها حِينما يتم قراءتها بعمقٍ ودقة، وهو منحىً مختلف عن تكوين القصائد الحديثة في اتِّجاهها ناحية البيئة والطبيعةِ العاطفية الرومانسية، أو إلى البيئةِ الواقعية والطبيعية في ممارسة الحيَاة والوجود.

جاسم الصحيح اتَّجه منذ بداياته إلى أسطرة الكَائنات وتحويلها إلى رموز شعريَّة كما هي النخلةِ والغراب والبشت، حيث يتميز بقدرته الفائِقة على تدوير الشخصيةِ وإلباسها مزايا يستحيل أن تمتلكها بهدفِ إيصالها لعتبةِ الأسطرة، مازجاً في الأثناء بينَ النقيضين الحب والحرب، اللذين يأتيانِ مقترنين في قصائده، فلا يذكرُ أحدهما إلا ويرافقه الثاني، لتنتهيَ بانتصار الحب، وأنه بوابة الخلاصِ من مآسي الوجود وآلامِ الحيَاة.

اتَّخذ محمد يعقوب من الحياة المعاصرة مسرحاً لقصائده، وكما هي الحياةُ قصيرة ومريرة كذلك القصيدةُ تحمل سمة القِصر والمرارة، ومن أجلِ علاج أوجاعها لا بدَّ من الاستعانة بالأصدقاء الذينَ يحضرون إما مباشرة أو مواربة، وهو حضُور سيجعل قصيدته تتفاعلُ أكثر مع محيطِها الأدبي والثقافي، وسيسهم في بناءِ إسقاطاتها وصورها التي ستتميَّز بالعفوية والتلقائية، والأهمُّ أنها ستتجه بالتجربة ناحيةَ التخصصية، واقتصار الديوانِ الواحد على تجربة تحملُ دلالة واحدة لا أكثَر.

تمتاز كل تجربةٍ شعرية عن الأخرى، فالثبيتي بلجوئهِ إلى الرمزية والبدويَّة أعطى لأشعاره خصوصية دلاليَّة، فاختلفت تجربته عن تجربةِ الصحيح الذي عمل على الاستفادةِ من الرموز الحياتية المتعدِّدة والمتنوعة، مستعيناً بمزجها بالحبِّ والحرب والانفتاح على الدياناتِ والثقافات؛ ما أكسبَ أشعاره عمومية دلالية، وهو اتِّجاه ابتعد عنه يعقوب الذي أقامَ فاصلاً بين موضوعات الحيَاة رغم تشابهها وتلاقِيها، فمالَ إلى تخصيص تجربته بموضوع محدَّد وحينما ينتهي من استكماله ينتقلُ إلى آخر.

ثلاثُ مدارس شعرية في الأدب السُّعودي الحديث يمكن رؤيتها وتصنيفُها والبناء عليها في اكتشافِ التغيرات الأدبية والثقافية، وإذا تميَّزت إحداها بأنها الأكثرُ انتشاراً وحضوراً فذلك عائدٌ لعوامل مساعدة أبرزها الأقدميَّة التاريخية وازدياد المحبين والمريدين، الأمرُ الذي أتاح للمثقفين والأدباءِ والجماهير إدراكَ سماتها ومزاياها، وهو ما سيحصل مع المدارسِ الأخرى التي تحتاج وقتاً كي تستقرَّ ويكتمل ظهورها وتجليها وبالتالي تكتسب حضوراً وتأثيراً.