آخر تحديث: 15 / 9 / 2026م - 12:06 م

ما يخصّك!

عماد آل عبيدان


اتصل بي صديق عزيز ذات يوم..

كانت إحدى قريباته ترقد في المستشفى.. وعرف أن الطبيبة القائمة على حالتها أختي الدكتورة زمزم.

شرح لي الأمر..

كان ابن المريضة معها.. لكنه شاب صغير لا يعرف كثيرًا من المصطلحات الطبية ولا يستطيع أن يقرأ الحالة كما ينبغي.. وصديقي بحكم معرفته بالمجال الطبي أراد أن يفهم الصورة بصورة أدق.

لم يطلب تقريرًا..

ولم يقل لي صوّر الملف..

ولم يطلب شيئًا بدا لي وقتها خطيرًا أو ممنوعا بوجهة نظري القاصرة.

قال بما معناه..

اسأل أختك فقط عن وضعها الصحي.. أريد أن أعرف حالتها كما هي تفصيلًا.

وجدتُ الطلب مفهومًا..

بل ربما رأيته من باب الاطمئنان على مريضة - خصوصًا أن الرجل قريب منها - ويعرف من الطب ما يجعله أقدر على فهم ما ستقوله الطبيبة.

قلت له..

لا أعدك.. لكنني سأتصل بزمزم.. فإن كان الأمر ممكنًا سأعرف منها.

واتصلت.

ويبدو أنني كنت أحتاج إلى موعد آخر قبل الاتصال.. موعد لمحاضرة!

قلت لها إن هناك مريضة عندكم.. وإن صديقًا عزيزًا من أقاربها طلب مني أن أسألك عن حالتها وهو يعرف في الأمور الطبية و…

لم أكمل.

زمزم لم تمنحني أصلًا فرصة لتجميل الطلب!

دخلت مباشرة في الخصوصية.. وسرية معلومات المريض.. وما يجوز للطبيب أن يقوله وما لا يجوز.. ومن الذي يملك حق الاطلاع.. وأن كون المريضة قريبة من فلان.. وفلان صديقي.. وأنا أخو الطبيبة.. لا يصنع لأي واحد منا حقًا إضافيًا في معلومة تخص المريض.

كنت أحاول أن أقول لها..

يا دكتورة.. أنا أصلًا قلت للرجل إنني لا أعده بشيء.. واتصلت فقط لأسأل إن كان بالإمكان…

ولا حياة لمن ينادي!

أكملت محاضرتها.

وأغلقتُ الهاتف بلا معلومة عن المريضة.. لكن بمعلومة عن أختي!

عرفتُ يومها أن بعض الناس لا يتركون مبادئ مهنتهم معلقة مع البالطو الأبيض عند باب المستشفى..

وهذه - في ظني - هي المسألة.

فالخصوصية تبدو سهلة جدًا عندما يكون صاحب الملف شخصًا لا نعرفه. لا فضول.. ولا قرابة.. ولا صديق يتصل.. ولا أحد يقول لك.. ”بس طمّني“.

لكن قيمتها الحقيقية تظهر عندما تعرف صاحب المعلومة.. أو تعرف من يسأل عنها.. وتستطيع الوصول إليها.. ثم لا تفعل.

نحن أحيانًا نخلط بحسن نية بين الاطمئنان والحق في المعرفة.

نحب المريض.. نقلق عليه.. نريد أن نفهم حالته.. وقد تكون دوافعنا كلها نبيلة.. لكن نبل الدافع لا يجعل كل باب مباحًا لنا.

وهذا أمر يتجاوز المستشفى بكثير.

الموظف قد تقع أمامه معاملة شخص يعرفه. موظف البنك يرى رقمًا لحساب لم يكن سيراه لو لم يجلس على ذلك الكرسي. موظف الموارد البشرية يعرف راتب زميله. وآخر يعرف ظرفًا عائليًا أو ماليًا أو وظيفيًا لإنسان لأن عمله أتاح له أن يعرف.

المشكلة ليست دائمًا في الذي نعرفه..

المشكلة فيما نظن أننا أصبحنا نملكه لمجرد أننا عرفناه..

وربما لهذا بقي موقف زمزم في ذاكرتي..

فلم تكن تعرف صديقي ولم تطلب معرفة من هو.. ولم تكن مطالبة بأن تبرر لي شيئًا.. وكان يمكن أن تختصر الأمر بكلمتين وتنتهي.

لكنها تعاملت معي في تلك اللحظة لا باعتباري أخاها الذي يسأل وإنما باعتباري شخصًا لا يملك الحق في الإجابة.

وأعترف أنني يومها تلقيت المحاضرة على مضض قليلًا!

أما اليوم فأحبها..

لأنني فهمت أن الأمانة المهنية لا تظهر فقط في الأشياء الكبيرة التي يخاف الإنسان عقوبتها.. وإنما في تلك التفاصيل الصغيرة التي يستطيع أن يتجاوزها بسهولة ولن يعرف أحد أنه فعل.

وبعد سنوات من ذلك الاتصال.. لا أتذكر ماذا كان مرض تلك المرأة..

ولا أعرف كيف انتهت حالتها..

ولا أتذكر حتى ماذا قلت لصديقي بعد أن أغلقت الهاتف..

لكنني أتذكر شيئًا واحدًا جيدًا..

أنني اتصلت بأختي أبحث عن معلومة تخص مريضة..

فخرجتُ من المكالمة بمعلومة تخصني أنا.

ليس كل ما تستطيع أن تعرفه.. يحق لك أن تعرفه.