ما دريته… الشهامة

يتذكر كل من شاهد مسلسل «طاش ما طاش» الفكاهي الشهير، حلقة تميزت بترديد أحد الممثلين لجملة «ما دريته»، والتي تعني «ألم تعلم». ثم يُردف الممثل المخضرم ذاته جملة «ما دريته» بسرد جملة من الأخبار التشاؤمية السيئة والمنفرة، والتي قد تشمل آخر الفضائح في المجتمع، وأحداث التمزق الأسري وتطوراته، وأنباء الوفيات والحوادث المفجعة. والمخرج للمسلسل يومذاك، كما أتذكر، هو المخرج القدير عبد الخالق الغانم «رحمه الله»، أراد إيصال فكرة مفادها أن بعض الناس صبغوا حياتهم النفسية بالأخبار السيئة حتى تغولت وطغت تلكم الأخبار على كل نظراتهم للحياة، وخذلوا أنفسهم بأنفسهم عبر الاهتمام المفرط بمتابعة الأخبار التشاؤمية المحبطة للنفس. وأخذوا ينثرونها في نفوس من حولهم ليعيشوا الأجواء الانهزامية ذاتها.
كثرة نشر أو تداول مقاطع الاعتداءات على العُزّل من كبار السن الضعفاء والنساء العفيفات والأطفال الأبرياء، وجرائم الاعتداءات على العُزّل، والخيانات الزوجية، وأخبار قتل الأبرياء بشكل مفرط، قد تقسي القلب لدى البعض، وتخنق الشهامة في صفوف أبناء بعض أفراد المجتمع الذي يكثر فيه مثل هذا التداول وهذه الأخبار والأحاديث. كما أن كثرة نشر أو نقل أو تداول صور الرذيلة والابتذال والخلاعة والخيانة الزوجية والمجون والعري والعلاقات المحرمة تقسي قلب الناظر إليها مع الوقت، فتموت مع الزمن عند المفتتن بها خصال العفة والغيرة والحشمة وخصال كريمة عديدة، وتستفحل فيه من دون شعور منه خصال أهل الدياثة واستمراء العفن وخذلان الحق ومتابعة أهل الغرائز الحيوانية وتبني الأنانية الفردية. ولعل محاضرة المحاضر النفسي الروسي يوري بيزمينوف «Yuri Bezmenov» عام 1984 م بعنوان «كيف تدمر المجتمعات والأخلاق خلال 20 عامًا» عن طرق إفساد المجتمعات أكبر دليل موجود ومتوفر بين أيدي الجميع. والمطلوب من الجميع تعزيز وتحصين الوعي والسلوك عبر تجذير تبني الخصال الحميدة، وتعزيز برمجة النفس عند الحديث بالمجالس أو التصفح على الإنترنت أو الدردشة في واتساب أو إعداد وكتابة ونشر/إعادة نشر محتوى رقمي.
الشهامة خصلة من خصال الرجال الأوفياء النبلاء وأصحاب الهمم العالية. وللحق، الشهامة خصلة إنسانية حسنة يشترك في حبها وعشقها والتعلق بها كل شعوب العالم بمختلف دياناتهم وأعراقهم وأوطانهم وألوانهم. وقد نجحت بعض المجتمعات في تجذير ورسم معالم الشهامة عبر الأجيال حتى اقترنت هذه الخصلة بهم اقتران الإبل بفصيلها.
مع انتشار محتوى إعلامي هابط في تطبيقات وسائل التواصل الاجتماعي وبعض الديوانيات والمجالس وكذلك القروبات الرقمية، أضحت المزايدات في إدراج قصص الإسفاف وهدم الشهامة تتوارد بشكل متراشق وعفوي عبر المزايدة في جلب آخر قصص وحوادث الانحلال والفضائح وكتابة آخر مقال عن التسقيط والتهكم. والأجدى أن يحدث العكس بنقل ومشاركة قصص وأحداث أهل صنائع المعروف والشهامة والنبل والتضحية؛ لتسمو بذلك المعاني في سماء الديوانيات الاجتماعية الواقعية والافتراضية، وتربية أعضاء المجالس والديوانيات. وينبغي تجذير خصلة الشهامة وتعريفها ورسم معالمها في رؤوس أبناء الأجيال الصاعدة كي لا يخلطوا بين الشهامة والهياط.
عدد الفضائح والانتهاكات الموثقة والمنشورة في تطبيقات وسائل التواصل الاجتماعي، سواء الحادثة محليًا أو المستوردة من مجتمعات إقليمية ودولية، تجعل الإنسان الشهم تحت ضغوط مستمرة نتيجة لتراشق ما يجرح ويدمي قلب كل شريف غيور، مع عجزه في إحداث التغيير المطلوب. ومن هنا نهتف في من يريد ألا يُخترق نفسيًا بشكل سلبي بألا ينزلق في متابعة الأحداث المأساوية والجرائم الأخلاقية في المجتمعات الأخرى، حتى لا تطغى النظرة السوداوية للناس في عينيه ودماغه، فيدب الإحباط في نفسه، ويدب اليأس إلى قلبه. بل يكتفي بأن يعرف العموميات دون الخوض بالتفاصيل، ويكون هو نبراسًا ومعلم هداية وسلوك حسن وداعية خير، ويبث التفاؤل في نفوس مَن حوله، ويحصن نفسه ومن يعز عليه من أي انفلات أو يأس أو إحباط أو سوداوية. ويدفن أي مقاطع فيديو/رسائل/مقالات لا تعزز الشهامة والأخلاق المحمودة عبر عدم إعادة إرسالها إلى الآخرين.
عند قراءة مقال تهكمي أو مشاهدة مقطع تحريضي أو رصد موقف فيه استهزاء أو يشمل سبابًا وشتائم وقذفًا في الأعراض، فإن العقلاء من ذات المجتمع سيسارعون بحجب ذلك المقال/المشهد/المقطع وطمسه وتوبيخ صانعه/فاعله لردعه وتصحيح مساره. ولكن القراء الأوفياء من المجتمع حتمًا سيطرحون تساؤلات عدة بعد قراءة/مشاهدة مقالة/مقطع يتضمن الاستفزاز، ومنها:
هل من الذكاء الاجتماعي والسلوكي الدخول في مهاترات مع الجميع من داخل الحي والمدن المجاورة والدول المجاورة ومن هم حول العالم؟
ليلَ نهارَ، العالم الرقمي يضج بالسب والشتم والتهكم والازدراء والقذف في الأعراض والتحريض بين مجتمعات قومية متنوعة وعرقية مختلفة وعقائدية ومذهبية!! ولن تتوقف؛ لأنه لا يوجد عقاب رادع لأولئك، وليس معلومًا إن كانوا حقيقيين أم نتاج برمجة لجهات مشبوهة، أم تابعين لأجهزة عالمية ذات أهداف سوداوية مختلفة.
إلا أن من ينزلق في هذا الدهليز المظلم والتمحور في غابات الصراعات اللاإنسانية واللاشريفة، ستكون في النتيجة حياته تعيسة ومتمحورة حول اقتناص الزلات والمنغصات والمناكفات والشتائم والقذف والتهكم… وهذا عكس ما يريده الله للإنسان من بناء للكون وتعميره.
في عالم عولمة أصحاب الكفاءات، من الجيد قراءة أحداث العالم الإيجابية. فعندما نقرأ خبر اعتلاء رجل من أصول باكستانية منصب عمدة مدينة لندن العالمية، أو اعتلاء امرأة يمنية منصب قاضٍ بولاية ميسيسيبي «المتعصبة للإنسان الأبيض»، أو اعتلاء رجل من أصول هندية «ممداني» لمنصب عمودية مدينة نيويورك، أو اعتلاء رجل صومالي منصب وزير في حكومة كندا، فهذه الأمور والحوادث اللافتة هي الأجدر بالطرح للنقاش والكتابة والحوار واستقراء التجارب واستنساخ الأساليب الناجحة. ثم يطرح العقلاء إمكانية اكتشاف مواقع ومواطن جغرافية جديدة في الأرض للنجاح والنمو والعطاء والمشاركة البناءة.
يجب الترفع عن سفاسف الأمور في الديوانيات والمجالس والقروبات الرقمية، وتعزيز طرح المواضيع ذات المردود الطيب والمنمية للأخلاق والمال والوجاهة والقوة الاجتماعية… واعتبار أي شخص يرمي حجرًا فإنه يرمي شجرة مثمرة؛ والقافلة الناجحة تسير إلى الأمام نحو الأهداف النبيلة، ولا تعير نباح النابحين أي اهتمام. نعم، واجبنا الأخلاقي والديني والوطني والإنساني أن نمد جسور المحبة مع الجميع، مع استقراء المشهد الكامل جيدًا للتمييز بين الصادق والكاذب، وبين المشجع والمحبط، وبين الناصر والحاسد، وبين المتعاون والحاقد، وبين الجيد والفاسد؛ وتفادي صنع أعداء في أي مكان لضمان تضافر الجهود نحو الأهداف. فمن يشتم ويستمرئ الشتم كمهنة له، يومًا من الأيام، سيجد نفسه مجرد سباب لعان لا قيمة له، والكل كره ويكره الإنصات إليه. أدعو نفسي وكل عزيز عليّ وكل قارئ أن يساهم بما يتاح له في صنع الأفضل لمجتمعه وأبناء عرقه ودينه بدل الانشغال في توافه الأمور.
أتمنى أن يتم كثرة تداول الأخبار الإيجابية بين صفوف المجتمعات لتعزيز الثقة بين صفوف أفراد المجتمع، وطرد روح الإحباط واليأس والتشاؤم والنميمة والخذلان والحسد والتهكم والافتراء والغيبة. وأتمنى من مديري تحرير الصحف الرقمية والورقية والمجلات منع نشر أي مقال يشمل تحريضًا أو تهكمًا أو استهزاءً أو مناكفةً أو قذفًا على أي مكون وطني ساهم ويساهم في نمو المجتمع والوطن.















