عصفورٌ من خرزات

لم تكن يدي يدًا،
كانت غيمةً صغيرة
تلتفّ حول نبضٍ لا يخصّني،
وتخشى، كلّما ضمّته،
أن يضيع.
وفي تلك الغيمة
كان يسكن عصفور.
لم يُخلق من تراب،
ولا من ريش،
ولم يعرف يومًا دفءَ عشٍّ
ولا وحشةَ غصن؛
كان مصنوعًا من خرزاتٍ
تتدلّى من خيطٍ خفيّ،
كأنّ الزمن
جمع ما تبقّى من أيّامنا،
وصنع منها عقدًا،
ثم علّقه في الفراغ.
كلُّ خرزةٍ فيه
كانت تحمل شيئًا من حكاية:
واحدةٌ بلون بحرٍ
لم نصل إليه،
وأخرى بلون ليلةٍ طويلة
نسيت كيف تنتهي،
وثالثةٌ تميل إلى الرماد،
كابتسامةٍ قديمة
ظلّت تبحث عن وجهٍ
فلم تجده.
مددتُ إصبعي نحوه،
لا لألمسه،
بل لأتأكّد
أنّ الأشياء التي نحبّها
يمكن أن تبقى
حين نمدّ أيدينا إليها.
فانسكب الضوء في كفّي
كرملٍ ما يزال يتذكّر
هيئةَ الشاطئ
الذي أخذه منه البحر.
لكنّ العصفور
لم يتحرّك.
ظلّ ساكنًا،
بذلك السكون الذي يشبه الوداع
حين يصل
ولا يملك أحدٌ
شجاعةَ أن يسمّيه.
نظرتُ إليه طويلًا،
وشعرتُ أنّه يعرف
ما لا أعرفه أنا:
أنّ بعض الأجنحة
لم تُخلق للطيران،
وأنّ بعض القلوب
تمضي أعمارها كلّها
وهي تتعلّم
كيف تسقط
دون أن يسمع أحدٌ
صوت ارتطامها.
أصغيتُ إلى خرزاته،
فسمعتُ أصواتًا
لا أفواه لها:
بابًا يُفتح
ولا يعود منه أحد،
وخطواتٍ كانت تملأ البيت
ثم صارت ذكرى،
وضحكةً بعيدة
ما زال صداها يعرف الطريق إليّ،
وأسماءً، كلّما حاولتُ نسيانها،
أزهرت في داخلي
وجعًا جديدًا.
سمعتُ مدنًا
بُنيت من انتظار،
وبيوتًا
أطفأ الغياب مصابيحها،
وأرواحًا تمشي في الطرقات
وتجرّ خلفها ظلالًا
أطول من أعمارها.
قلتُ في نفسي:
الخرزات لا تبكي،
فالبكاء يحتاج قلبًا.
ولا تنكسر،
فالكسر يحتاج جسدًا.
لكنّي، كلّما نظرتُ إليها،
شعرتُ بشيءٍ في صدري
يتشقّق ببطء.
كأنّ العصفور
لم يكن هو المعلّق بالخيط…
كنتُ أنا.
وأنا؟
ربّما لم أكن سوى عقدةٍ
في الخيط الذي يحمله،
أو خيطًا صغيرًا في عنقه
يخشى أن يتركه
فيطير،
ويخشى أن يشدّه
فيختنق.
وربّما كنتُ مجرّد يدٍ
تظنّ أنّها تمسك بما تحبّ،
بينما ما تحبّه
هو الذي يمسك بها
كي لا تسقط.
وكلّما حاولتُ عدَّ خرزاته
ضاع منّي العدد.
واحدةٌ للذين رحلوا،
واحدةٌ للكلمات
التي وصلت متأخّرة،
واحدةٌ للأبواب
التي أغلقناها،
ثم قضينا العمر
ننظر إليها،
وأخرى للأشياء الجميلة
التي لم نعرف أنّها كانت جميلة
إلّا بعدما انتهت.
وحين بلغتُ الخرزة الأخيرة
لم أجدها.
بحثتُ عنها طويلًا،
حتى شعرتُ بشيءٍ
ينبض في صدري.
عندها فقط
فهمت:
كانت الخرزة الأخيرة
قلبي.
وكان هذا العصفور
يحمله منذ البداية.
رفعته أمام الضوء،
فرأيتُ في خرزاته
وجوهًا أحببتها،
وأيامًا ظننتُ أنّها ستبقى،
وأمكنةً غادرتها
وبقي شيءٌ منّي فيها.
رأيتُ طفولتي،
والذين مرّوا من عمري
وتركوا أبوابهم مفتوحةً في الذاكرة،
ورأيتني
ألوّح لكلّ ما مضى
كما يلوّح واقفٌ على رصيف
لقطارٍ يعرف
أنّه لن يعود.
ضممتُ العصفور إلى كفّي.
وللمرّة الأولى
لم أخشَ أن ينكسر.
خشيتُ فقط
أن يطير.
فبعض الأشياء،
حين نحبّها كثيرًا،
لا نعود نعرف
هل ينبغي أن نحفظها في أيدينا،
أم نفتح لها أصابعنا
ونتعلّم ألم الرحيل.
فتحتُ كفّي قليلًا…
ظلّ العصفور مكانه.
لا طار،
ولا سقط.
كان ينتظرني أنا
أن أفهم:
أنّ الحنين
ليس قفصًا لمن رحل،
بل بيتٌ لمن بقي.
وأنّنا لا نحمل الذكريات
لأنّنا عاجزون عن نسيانها،
بل لأنّ بعض ما أحببناه
صار جزءًا من الطريقة
التي يخفق بها القلب.
أغمضتُ عينيّ،
وتركتُ كفّي مفتوحة.
وحين فتحتهما
لم أعرف
إن كان العصفور ما يزال هناك…
أم أنّه دخل صدري.
كلّ ما أعرفه
أنّ شيئًا صغيرًا
رفرف في داخلي،
وأنّ خرزةً واحدة
سقطت من بين أصابعي.
انحنيتُ لألتقطها…
ثم تركتُها مكانها.
لعلّ قلبًا آخر
يمرّ من هنا يومًا،
يراها،
فيعرف أنّ أحدًا
أحبَّ شيئًا إلى الحدّ
الذي لم يعد يعرف معه:
أكان يمسك عصفورًا من خرزات…
أم كان يمسك
ما تبقّى منه.














