آخر تحديث: 14 / 9 / 2026م - 9:58 م

المتختّل.. حين تكون الغفلة حيلة

باسم آل خزعل


لطالما رأينا ذلك الشخص الجالس بين الحاضرين، بعينين شاخصتين وأذنين تكادان تلتقطان همس الحديث بين اثنين، بينما يميل برأسه إلى جهة أخرى وكأنه آخر من يعلم بما يدور حوله.

لكنه في الحقيقة يعلم أكثر مما ينبغي، يلتقط الكلمات، ويفكك العبارات، ويفهم ما وراءها، ويراقب الوجوه وردود الأفعال، ثم يحتفظ بكل ذلك في ذاكرته، منتظرًا اللحظة المناسبة. وقد يشارك أحيانًا بسؤال يبدو بريئًا وساذجًا أو يتظاهر بأنه لم يسمع ولم يفهم، حتى يكاد من حوله يقتنعون بأنه خارج دائرة الحديث تمامًا.

المتختّل كلمة محلية لطالما ارتبط معناها في أحاديث الناس بالشخص الماكر المتحفظ، الذي يتظاهر بالغفلة بينما هو في غاية الانتباه، ويتربص بما قد تكشفه لحظة غفلة من الآخرين.

والمتختّل لا يستعجل، يراقب أكثر مما يتحدث، ويصغي أكثر مما يجيب، وقد يبدو ساكنًا لا يعنيه شيء، حتى إذا شعر بأن الموقف لم يعد آمنًا له، اختفى من المشهد وكأن الأرض ابتلعته.

هو لا يبحث عن المواجهة، بل عن غفلة الآخرين، تلك اللحظة التي يسقط فيها الحذر، وتنطلق كلمة بلا حساب، فيلتقطها قبل أن تضيع.

ولعل أجمل ما في المتختّل أنه قد يقنعك بأنه لا يفهم شيئًا، بينما هو في الحقيقة فهم كل شيء، وربما أكثر مما قلت.

ففي قاموس اللهجات المحلية، ليست كل غفلة غفلة، ولا كل صمت براءة؛ أحيانًا يكون وراء النظرة الساكنة متختّل محترف، ينتظر فقط أن تأتي اللحظة المناسبة حتى يحسم أمره وكأن شيئًا لم يحدث.