آخر تحديث: 14 / 9 / 2026م - 12:49 ص

«دعيدع»… حين كان الليل أوسع من الحقيقة

فوزي آل غريب *


ثمة أشياء لا تموت لأنها حقيقية، بل لأنها كانت يومًا جزءًا من خوفنا.

وهذه في ظني، واحدة من أكثر الطرق إنصافًا للنظر إلى «دعيدع»؛ ذلك الاسم الذي ظل يتردد في الذاكرة الشعبية الخليجية، وخصوصًا في البيئات التي كانت النخلة فيها أكثر من شجرة، والمزرعة أكثر من مكان للعمل، والليل أكثر من مجرد غياب للشمس.

لم يكن العالم القديم مضاءً كما نعرفه اليوم، كانت العتمة تبدأ عند حافة المساء، ثم تتمدد بين البيوت والمزارع والطرق، حتى يصبح ما نعرفه نهارًا شيئًا آخر في الليل، النخلة نفسها، التي يعرفها الفلاح جذعًا وسعفًا ورطبًا وظلًا، كانت تفقد ملامحها المألوفة حين تغيب عنها الشمس، يتحول حفيف سعفها إلى همس، وظلها إلى هيئة، وحركتها إلى احتمال.

وفي تلك المسافة الصغيرة بين ما رأته العين وما تصوره القلب، كان يمكن لدعيدع أن يولد.

لا تبدو الحكايات الشعبية، في أصلها، معنية بإقناعنا بوجود كائن خارق بقدر ما هي معنية بمنح المجهول اسمًا، الإنسان لا يحب الفراغ؛ فإذا سمع صوتًا في الليل ولم يعرف مصدره، صنع له تفسيرًا، وإذا رأى نورًا بعيدًا، نسج حوله حكاية، وإذا تحرك شيء فوق سطح بيت أو بين أشجار النخيل، لم يتركه بلا هوية.

قالوا: «دعيدع».

وهكذا انتهى السؤال، وبدأت الأسطورة.

لكن «دعيدع» لم يكن له وجه واحد، وهذا ربما هو سر بقائه.

في المرويات البحرينية، تظهر له صور مختلفة؛ فبعض الروايات تصفه بجسم يشبه القرد ووجه قريب من وجه القطة وأنياب لامعة وآذان طويلة، بينما تجعله روايات أخرى رجلًا يظهر في المقابر أو بين النخيل، أو كائنًا يقلد الأصوات ليخدع الناس، وتروي إحدى الصور الشعبية أنه يجلس فوق النخيل ويرمي البسر على البيوت القريبة، فيسمع أهلها الصوت ويعرفون أن «دعيدع» قد مر من هناك.

وهنا تصبح الحكاية أكثر جمالًا من مجرد حكاية عن جني.

فما الذي يمكن أن يكون أكثر طرافة من كائن مخيف لا يملك، في نهاية الأمر، إلا أن يرمي ثمرة رطب على سطح بيت؟

إنها مفارقة تستحق التأمل.

الخوف هنا لا يأتي من الدم ولا من الوحشية، وإنما من المجهول، الصوت هو الذي يخيف، لا الفعل، والظلام هو الذي يكبر الحكاية، لا دعيدع نفسه، وربما لو حدث الأمر في وضح النهار، لما بقي منه شيء يستحق أن يروى.

وهكذا يصنع الليل نصف الأسطورة، ويصنع الخيال نصفها الآخر.

ولعل أجمل ما في «دعيدع» أن الرواية الشعبية لم تستطع أن تمنحه صورة نهائية، مرة يكون جنيًا، ومرة مخلوقًا غريبًا، ومرة مجرد نور، ومرة صوتًا لا يُرى صاحبه، وفي بعض المرويات يصبح الاسم نفسه أوسع من الكائن؛ فيصير «دعيدع» كل ما لا نستطيع أن نراه ونستطيع أن نسمعه، وكل ما يترك أثرًا ولا يترك صاحبه.

وهذا يجعل «دعيدع»، من الناحية الرمزية، أقرب إلى شخصية المجهول نفسه.

نحن لا نخاف دائمًا مما نعرفه، بل كثيرًا ما نخاف مما لا نستطيع تسميته، فإذا منحناه اسمًا، أصبح الخوف قابلًا للحكي، وإذا تحول الخوف إلى حكاية، أمكن للإنسان أن يجلس معه في مجلس، وأن يضحك منه بعد أن كان يرتجف بسببه.

وهذه إحدى الوظائف العميقة للأسطورة: أن تجعل الخوف قابلًا للكلام.

كانت الأم تقول لطفلها لا تذهب بعيدًا بعد الغروب، وكان يكفي أحيانًا أن يُذكر اسم «دعيدع» حتى يعود الطريق الطويل أقصر، والمزرعة البعيدة أبعد، والليل أكثر هيبة.

من هنا يمكن فهم الجانب الاجتماعي في الحكاية، فالحكايات الشعبية لم تكن دائمًا تسلية، كانت أحيانًا وسيلة تربوية غير مباشرة، تُحذّر الطفل من أماكن الخطر، وتمنعه من التجول ليلًا، وتحوّل النصيحة الجافة إلى صورة تعلق في الذاكرة.

لا تذهب إلى المزرعة ليلًا.

هذه جملة عابرة.

أما:

احذر «دعيدع».

فهي جملة تستطيع أن تعيش في خيال طفل سنوات طويلة.

ولهذا فإن الأسطورة، حتى حين تكون غير حقيقية من الناحية المادية، قد تكون حقيقية جدًا من الناحية الاجتماعية، لقد كان أثرها واقعيًا؛ فالطفل يتوقف، والأم تطمئن، والمجتمع يحفظ حدودًا معينة للسلوك.

وفي البحرين ارتبط «دعيدع» كذلك بأهازيج وأقوال شعبية، من أشهرها العبارة التي كانت تقال عندما يُروى أنه يرمي الرطب على البيوت: «دعيدع دعدع أمه سبع ليالي تخمه». وتوجد له عبارات أخرى مرتبطة بما يسمى «دعيدع المقبرة».

والأهزوجة هنا ليست هامشًا في الحكاية؛ إنها جزء من بقائها.

فما لا تحفظه الكتب قد تحفظه الألسنة.

وما لا يستطيع المؤرخ الوصول إليه قد تنقله أهزوجة قالتها امرأة لطفلتها، أو كررها الأطفال في لعبة، أو بقيت عالقة في ذاكرة رجل مسن بعد أن نسي تفاصيل كثيرة من حياته.

وهنا تصبح اللغة نفسها وعاءً للتراث.

الكلمة الشعبية ليست مجرد كلمة؛ إنها قطعة من زمنها، فيها نبرة المكان، وطريقة الناس في الخوف، وطريقة ضحكهم، وطريقة اختراعهم للأسماء، ولذلك فإن «دعيدع» بصوته المكرر يحمل في بنيته شيئًا من طبيعة الحكاية نفسها؛ اسم خفيف على اللسان، لكنه يفتح بابًا ثقيلًا في الخيال.

غير أن الحديث عن «دعيدع» في القطيف وضواحيها يحتاج إلى شيء من الحذر؛ لأن الروايات الشعبية تختلف في بعض تفاصيلها من منطقة إلى أخرى، ففي القطيف والبحرين، ارتبطت حكاية «دعيدع» بالمزارع والنخيل والعيون، مع اختلاف بعض التفاصيل في وصفه وطبيعة ظهوره من رواية إلى أخرى.

وهذا الاختلاف ليس عيبًا في الرواية الشعبية، بل ربما هو أجمل ما فيها.

فالأسطورة لا تسافر كما يسافر الخبر.

الخبر إذا انتقل من مكان إلى آخر ينبغي أن يحافظ على تفاصيله، أما الحكاية الشعبية فتتغير كلما عبرت من فم إلى فم؛ تأخذ من المكان الجديد ملامحه، ومن أهله مخاوفهم، ومن بيئتهم صورها، ولذلك يمكن أن يتغير الكائن بينما يبقى جوهره.

في مكان، يسكن الماء.

وفي مكان آخر، يسكن النخلة.

وفي ثالث، يخرج من المقبرة.

لكن وظيفته واحدة تقريبًا: أن يقف عند الحد الفاصل بين العالم الذي نعرفه والعالم الذي لا نعرفه.

وهذا الحد هو المكان الذي وُلدت فيه معظم أساطير البشر.

وليس غريبًا أن تزدهر مثل هذه الحكايات في البيئات القديمة التي كانت تعيش على إيقاع الطبيعة، فالقطيف، مثل غيرها من البيئات الخليجية الزراعية، حملت تراثًا شفهيًا غنيًا، وقد جُمعت حكاياتها الشعبية في أعمال توثيقية اهتمت بالموروث المروي وبأشكاله المختلفة، بما في ذلك الأهازيج والمفردات والعادات المتصلة بالبيئة المحلية.

لكن ماذا بقي من «دعيدع» اليوم؟

ربما لم يبقَ الكائن.

بقي الاسم.

والاسم أحيانًا أكثر خلودًا من صاحبه.

لقد تغير الليل، امتلأت الطرق بالأضواء، ودخلت الهواتف إلى الجيوب، وأصبحت الأصوات الغامضة قابلة للتسجيل والبحث والتفسير، لم تعد النخلة وحدها قادرة على صناعة الرهبة القديمة، ولم يعد الطفل مضطرًا إلى تخيل ما وراء الجدار؛ فالعالم الحديث يريه صورًا أكثر مما يستطيع خياله أن يحتمل.

ومع ذلك، بقيت الحكاية.

وهنا تكمن المفارقة الأخيرة: حين ماتت الظروف التي صنعت «دعيدع»، لم يمت «دعيدع» تمامًا؛ تحول من كائن يُخاف منه إلى أثر يُتذكر.

وهذا التحول هو المصير الجميل لكل الأساطير.

في طفولتنا قد نخاف منها.

وفي شيخوختنا قد نشتاق إليها.

نضحك على ما أخافنا ذات يوم، لكننا لا نضحك من الحكاية نفسها؛ لأننا نعرف، في أعماقنا، أنها كانت جزءًا من عالم لم يعد موجودًا، عالم كانت فيه الأم تعرف كيف تخيف طفلها لتحميه، وكان الجد يروي قصة لا يعرف إن كانت حدثت فعلًا، وكان الليل يترك مساحة واسعة للخيال، وكانت النخلة تقف في الظلام كأنها حارسة قديمة لسر لا تريد أن تقوله.

لذلك لا أعتقد أن السؤال الحقيقي هو: هل كان «دعيدع» موجودًا؟

والسؤال الأجمل هو:

لماذا احتاج الناس إلى «دعيدع»؟

احتاجوا إليه لأن الإنسان لا يعيش بالواقع وحده.

يحتاج إلى حكاية تشرح ما لا يفهمه، وإلى رمز يختصر خوفًا طويلًا في اسم قصير، وإلى خيال يملأ الأماكن التي يعجز الضوء عن الوصول إليها.

وربما لهذا السبب لا يزال «دعيدع» يستحق أن يُروى.

ليس لأنه كان يسكن النخيل، أو المقابر، أو العيون.

بل لأنه سكن شيئًا أعمق من ذلك كله:

سكن الخيال الإنساني.

وهناك، في ذلك المكان الذي لا تصل إليه يد ولا مصباح، لا يموت الكائن الأسطوري بسهولة.

فما دام الإنسان يخاف المجهول، سيظل يخترع له وجهًا.

وما دام يتذكر، سيمنحه اسمًا.

وربما حين يمر الليل ذات مساء فوق نخلة قديمة، ويأتي من بين سعفها صوت لا نعرف مصدره، لن يكون السؤال: «من هناك؟»

بل قد تبتسم الذاكرة قليلًا، وتقول:

دعوه… ربما عاد «دعيدع».