من قتل القراءة في بيتنا

تعتبر القراءة جزءًا من تكويننا. نقرأ لنفهم، ونسأل، ونختلف، ونتأمل، ونحلم. كان الكتاب يأخذنا إلى أماكن لم نزرها، ويضع في أيدينا تجارب أناس لم نلتق بهم، ويفتح لنا نوافذ على عوالم لم نكن نعرف أنها موجودة، ويمنحنا فرصة أن نعيش أكثر من حياة في حياة واحدة. وأهمية القراءة تنبع من تأكيد ديننا عليها وحثّه وتشجيعه على القراءة، وأكدها نبينا محمد ﷺ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق: 1].
كنا نقرأ ببطء، نعيد السطر، ونضع علامة تحت جملة أعجبتنا، ونغلق الكتاب أحيانًا ليس لأننا انتهينا منه، بل لأن فكرة فيه جعلتنا نحتاج إلى أن نفكر.
لكن اليوم، تغيّرت علاقتنا بالمعرفة. نريد أن نعرف بسرعة، ونفهم بسرعة، وننتقل بسرعة. نبحث عن التاريخ في دقيقة، والتجربة في مقطع، والفكرة في صورة، والحكمة في منشور، والرأي في ثوانٍ معدودة.
لم نعد نبحث عن المعرفة بقدر ما نبحث عن جرعة منها. صرنا نريد أن نعرف كل شيء، من دون أن نتعب في معرفة شيء، وأن نمتلك رأيًا في كل شيء، من دون أن نمنح أنفسنا وقتًا كافيًا لنفهم شيئًا.
وهنا تكمن المشكلة الحقيقية. نحن لم نخسر الكتاب وحده. خسرنا علاقتنا العميقة بأنفسنا وبالعالم من حولنا. فيتحول غياب القراءة من مشكلة ثقافية إلى مشكلة اجتماعية، وإلى خطر على وعي المجتمع كله.
وسيدفع الجيل القادم ثمن تقصيرنا هذا. نحن نربي أبناءنا في زمن تتدفق فيه المعلومات بلا حدود، وتنتشر فيه الأدوات القادرة على إنتاج النص والصورة والصوت والفيديو في ثوانٍ.
وفي عالم كهذا، فإن الذي لا يقرأ لا يواجه نقصًا في المعلومات، بقدر ما إنه يواجه نقصًا في المناعة الفكرية. وهذه نقطة ينبغي ألا نتهاون فيها.
فالذكاء الاصطناعي يستطيع أن يكتب للطفل، ويشرح له، ويلخّص له، ويجيب عن أسئلته. لكن من سيعلمه أن يسأل السؤال الصحيح؟ من سيعلمه أن يشك في الإجابة أحيانًا؟ ومن سيمنحه القدرة على التفكير المستقل؟
لذلك كله، لا ينبغي أن ننتظر حتى يصبح أبناؤنا غرباء عن الكتاب، ثم نطلب منهم أن يكونوا مثقفين. ولا ينبغي أن ننتظر حتى تضعف لغتنا، ويضيق خيالنا، ويصبح التركيز عبئًا، ولعل بعض الخطوات المقترحة والمساعدة على تعويد أبنائنا ومجتمعنا على القراءة تفيد في البداية: أن تبدأ بمدة قصيرة جدًا، فتختار عشر دقائق فقط يوميًا، وأن تختار المادة التي تناسب مزاجك بدلًا من كتاب ثقيل في البداية؛ قصة قصيرة، أو مقالات قصيرة، أو كتاب سهل ومشوّق، أو كتابًا في مجال اهتماماتك: الرياضة، أو التقنية، أو التاريخ… أو كتابًا مصوّرًا وفيه فصول قصيرة. وقاعدة «صفحة واحدة تكفي»: إذا لم ترغب في إكمال القراءة، التزم فقط بصفحة واحدة. غالبًا ستستمر تلقائيًا بعد البداية. ومما يساعد على تسهيل الوصول إلى القراءة وضعُ الكتب قريبًا منك، بجانب السرير أو في مكان واضح. وتجهيز «نسخة ورقية» أو «ملف للقراءة» على جهازك. أما طريقة القراءة، فحاول ألا تجعلها مملة؛ فلا تحاول فهم كل كلمة؛ فإذا توقفت كثيرًا، فاقرأ سطرين أو فقرة وواصل. واستخدم علامة أو ورقة صغيرة لتحديد مكانك. وحدّد هدفًا؛ كأن تقرأ خلال اليوم فصلًا واحدًا، أو من ثلاثة إلى خمسة فصول في الأسبوع. وراجع سريعًا بعد الانتهاء من الكتاب، مع التأكد من معرفة الفكرة الأساسية.
المطلوب منا أن نعيد الكتاب إلى المكان الذي خرج منه أولًا، إلى البيت. أن يرانا أبناؤنا نقرأ قبل أن نطلب منهم القراءة. وأن يكون الكتاب إلى جوار الهاتف، وليس بعد أن يُمنع عنهم الهاتف.
علينا أن نفهم أن القراءة واحدة من أبسط الطرق التي نصنع بها إنسانًا يستطيع أن يفكر بنفسه. فقد يكون رأس الإنسان ممتلئًا بالمعلومات، وقلبه وعقله ما زالا جائعين إلى المعرفة.














