عجائب خلق الله في الإنسان

أثناء مطالعتي، وقعت عيني على تفسير بعض الآيات القرآنية الكريمة التي أوضحت الفرق بين القبور والأجداث، في تصوير مثير ومذهل للوصف والأحداث، مما يعزز الثوابت التي لا لبس فيها، ويزيد اليقين رسوخًا والاعتقاد ثباتًا، لا يخالطه أي شك في عظمة الله وقدرته جل جلاله، اللتين تجلتا في وصف دقيق وشفاف وشامل وإعجاز رباني في خلقه وعباده.
أوضحت بأسلوب سلس الفوارق بين القبور والأجداث، فولّدت لدى كل ذي لب قناعة تامة بمدى حاجتنا لمتابعة ما يحتويه هذا القرآن الكريم من دلائل إعجازية في السياق الديني، تخص مجريات تفاعلية للطبيعة البشرية، ربما نكون غافلين عنها في تسلسل الوجود البشري قبل نهايته وبعدها، وما يقف وراءها من متغيرات بين الحياة والموت، وما بينها من روابط عميقة الجذور في قالب من دقائق الأمور، تتميز بدقة علمية عجيبة في صياغتها البلاغية والإعجازية، وقوة الدليل والمعنى، التي مثّلت كل هذه الحقائق وفق سياق تراتبي، بمعانيه ولطائفه التي لا حد لها، وفق تفاصيل مترابطة وضعت النقاط على الحروف ضمن التفسير الذي نحن بصدده. وهنا تبدأ الانطلاقة إلى عمق حيثيات التفسير المشار إليه، وبالله نبدأ.
وقد عرض فيه ناقل التفسير سؤالًا مهمًّا وحسّاسًا عن هذا الإعجاز القرآني البليغ، قائلًا:
هل سألت نفسك يومًا: لماذا سمّى الله مكان دفن الأجساد في الدنيا «القبور»؛ بينما يوم القيامة قال «الأجداث»؟
سر عجيب يفتح أمامك بابًا من التفكر في القرآن الكريم!
قال الله تعالى:
﴿خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ﴾ [القمر: 7]
﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ سِرَاعًا﴾ [المعارج: 43]
﴿فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى? رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ﴾ [يس: 51]
لكن لماذا لم يقل «القبور»؟
تعالَ نتفكر قليلًا:
أين قبر الغريق الذي التهمت الأسماك جسده؟
وأين قبر الميت في البرية الذي ذرت الرياح عظامه؟
وأين قبر من أحرق جسده ونثر رماده في الهواء أو الماء؟
إذن، «الأجداث» ليست القبور؛ بل شيء آخر أعمق.
القرآن يكشف لنا:
﴿وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ﴾ [الانفطار: 4]
أي أن قبور الدنيا ستتحطم وتزول مع زلازل الأرض وتغير ملامحها؛ وما يبقى هو «الأجداث».
وما هي الأجداث؟
إنها الذرات الدقيقة من خلايا الجسد التي ينبت منها الإنسان يوم البعث كما تنبت البذور بعد نزول المطر:
﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ رِزْقًا لِلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَ?لِكَ الْخُرُوجُ﴾ [ق: 9-11]
تخيل المشهد: ذرة صغيرة مدفونة في تراب الأرض، يسقيها ماء السماء بأمر الله، فتنبت منها أجساد الناس يوم القيامة، تمامًا كما يُنبت الله النبات.
﴿وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا﴾ [نوح: 17-18]
سبحان من أتقن الخلق وأحكم التدبير.














