في ذكرى الأستاذ عبدالله إبراهيم آل غريب… حين يلتقي التعليم بالإنسانية

بعض الناس لا يرحلون كما يرحل الآخرون؛ يغيبون عن العين، لكنهم يظلون حاضرين في تفاصيل الحياة، وفي الوجوه التي عرفوها، وفي القلوب التي أحبوها، كأن الغياب لا يستطيع أن ينتزع أثرهم؛ لأن ما يُغرس بالمحبة لا تقتلعُه الأيام. فالموت لا ينتصر إلا على الجسد، أما الأرواح التي عاشت للناس، فإنها تبقى ما بقي الخير الذي زرعته فيهم.
لقد عُرف الأستاذ عبدالله «أبو فهمي» بحسن خلقه، وابتسامته التي كانت تسبق كلماته، حتى أصبحت جزءًا من شخصيته، ولغةً يفهمها كل من عرفه. لم تكن ابتسامة عابرة، بل كانت تحمل طمأنينةً صادقة، وتشعر من يجالسه بأن الدنيا ما زالت تتسع للمحبة والتسامح.
وكان صاحب قلبٍ رحيم، يشارك الناس أفراحهم، كما يقف إلى جانبهم في أحزانهم، وكأنه فرد من كل أسرة في المجتمع؛ لا تغيّبه المناسبات، ولا تمنعه مشاغل الحياة عن أداء واجب إنساني يراه جزءًا من أخلاقه قبل أن يكون مسؤولية.
أما رسالته في التعليم، فقد كانت من أعظم ما يميز سيرته؛ فقد تخرج عام 1388 هـ، وعمل معلمًا في مدرسة الكندي بسيهات منذ عام 1393 هـ وحتى تقاعده، وقضى سنواتٍ في الفصول الدراسية يغرس العلم في العقول، ويزرع القيم في النفوس.
وكان يؤمن أن التعليم لا يقتصر على شرح الدروس، بل يبدأ ببناء الإنسان؛ لأن المعرفة إذا خلت من الأخلاق فقدت أجمل معانيها. ولذلك لم يكن طلابه يتذكرون ما تعلموه منه فحسب، بل كانوا يتذكرون طريقته في التعامل، واحترامه للجميع، وحرصه على أن يشعر كل طالب بقيمته وقدرته على النجاح.
وفي مدينة سيهات، ترك الأستاذ عبدالله «أبو فهمي» بصمةً يصعب أن تمحوها الأيام؛ فقد تخرج على يديه أجيال متعاقبة من أبناء المنطقة، وأصبح كثيرٌ منهم يحمل في ذاكرته موقفًا جميلًا، أو نصيحةً صادقة، أو كلمة تشجيع كانت سببًا في استمراره نحو النجاح.
وهنا تتجلى حقيقة المعلم؛ فهو لا يصنع شهادات، بل يصنع مستقبلًا، ولا يغيّر صفحات الكتب فحسب، بل يغيّر مسارات الحياة.
ولعل أجمل ما يمكن أن يقال عنه أن محبة الناس له لم تكن وليدة منصب أو مكانة اجتماعية، وإنما كانت ثمرة أخلاق أصيلة وسلوك كريم؛ فالمحبة الصادقة لا تُشترى، ولا تُفرض، وإنما تُكتسب بالتواضع والصدق والإخلاص وحسن المعاملة. ولذلك ظل اسمه حاضرًا في المجالس، يُذكر بكل تقدير، وكأن ذكراه تؤكد أن الأعمال الطيبة لا يطويها الزمن.
إن الإنسان قد يرحل بجسده، لكن القيم التي غرسها تبقى نابضةً في كل من عرفه. والأستاذ عبدالله «أبو فهمي»، رحمه الله، كان مثالًا للمعلم الذي جمع بين العلم والإنسانية، وبين الواجب والمحبة، وبين الكلمة الطيبة والعمل الصالح.
ولذلك فإن الحديث عنه ليس استعادةً لماضٍ مضى، بل استحضارٌ لقيمة أخلاقية يحتاجها كل مجتمع، وتذكير بأن أعظم إرث يتركه الإنسان ليس المال ولا الشهرة، وإنما الأثر الطيب الذي يظل حيًا في القلوب، والدعاء الصادق الذي يرافق اسمه كلما ذُكر بالخير.
انتقل إلى رحمة الله تعالى يوم السبت 4 صفر 1443 هـ، الموافق 11 سبتمبر 2021 م، بعد مسيرةٍ حافلةٍ بالعطاء في ميدان التعليم، تاركًا سيرةً طيبة ستظل مصدر تقدير لكل من عرفه، ونموذجًا يُحتذى في الإخلاص وحسن الخلق وصدق الرسالة.
لكن للراحل في ذاكرة الناس سيرة، وفي قلب إخوته سيرة أخرى.
فالناس يستعيدون مواقفه وكلماته وابتسامته وما تركه من أثر، أما الأخ فيستعيد وجهًا كان جزءًا من أيامه، وصوتًا اعتادت عليه تفاصيل العمر، وذكرياتٍ لا تستطيع السنوات أن تجعلها ماضيًا. وحين يكون الراحل أخًا، تضيق العبارة مهما اتسعت، ويصبح في القلب من الكلام ما تعجز اللغة عن حمله.
ولعل أقسى ما في رحيل الأخ أن الحياة تستمر بعده كما لو أن شيئًا لم يحدث؛ تشرق الشمس، وتمضي الأيام، وتتبدل الفصول، بينما يبقى في داخلنا مكان لا تصله الأيام؛ يسكنه ألم الغياب، ويملؤه الحنين، ويوقظ فيه الاشتياق أدقَّ تفاصيل الذاكرة؛ مكانٌ يحتفظ بصوته كما كان، وبملامحه كما عرفناها، وبالأحاديث التي انتهت قبل أن نقول فيها كل ما أردنا قوله.
ومع مرور السنوات ندرك أن بعض الأحبة لا يتحولون إلى ذكرى؛ لأن الذكرى شيء نستحضره ثم نغادره، أما هم فيقيمون فينا. نراهم في موقف يشبه مواقفهم، ونسمعهم في كلمة كانوا يرددونها، ونلتفت إليهم في لحظة فرح قبل أن نتذكر أن المقعد الذي كان لهم قد أصبح فارغًا.
وبعد رحيل أخي، بدا الموت لي بوجهٍ آخر؛ فهو يستطيع أن يضع نهايةً للعمر، لكنه لا يستطيع أن يضع نهايةً للمحبة؛ فما كان بين القلوب أكبر من أن يحتويه قبر، وما يتركه الإنسان من خيرٍ وأثرٍ أوسع من سنوات حياته. فالذين أحببناهم بصدق لا يغيبون تمامًا، إنما ينتقلون من حضورٍ تراه أعيننا إلى حضورٍ تسكنه أرواحنا، ويبقون فينا ما بقي للذاكرة نبض، وللدعاء طريق إلى السماء.
رحم الله أخي، الأستاذ عبدالله «أبو فهمي»، وجزاه عن علمه وإخلاصه وإنسانيته خير الجزاء، وجعل ما قدّمه من تعليم، وما زرعه من قيم، وما نشره من محبة، في ميزان حسناته.
فالطيبون، وإن واراهم الثرى، لا يغادرون تمامًا؛ يبقى منهم شيء في الذين أحبوهم، وشيء في الأماكن التي مروا بها، وشيء في الحياة التي أصبحت، بسببهم، أكثر إنسانية.
الفاتحة إلى روحه، وإلى روح والديَّ، وإلى أرواح المؤمنين والمؤمنات.














