آخر تحديث: 11 / 9 / 2026م - 12:17 م

حقل الزعفران.. والذرة

الدكتور محمد المسعود


«لا تزرعِ الذرةَ في حقل الزعفران»؛ حكمة فارسية قديمة.

ليس لأن الذرة سيئة، ولكن لأن حقل الزعفران لا يليق به أن تُزرع فيه الذرة! هذه الحكمة تحمل تأويلًا مسبقًا: أن لكل شيء قيمته الحقيقية، ومكانه الذي يليق به، وتوقظ الحس قبل أن تثير الفكر لقيمتك أنت، ولحوامل قلبك.

كلمة تدعوك لبلوغ اكتمال الوعي بما يليق بقلبك، أو بما أنت أهله. ما يحمله قلبك يجب أن يكون على الدوام أجمل شيء فيك، أو أجمل منك، وأسمى من جوهرك.

التعلق هو مصدر كل شيء.

أخبرني بحوامل قلبك وشغفه، أخبرك من أنت وما هو جوهرك؟!

ولذا نسقط في عمق الدلالة لقول الله تعالى: ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ [المائدة: 54]

كلمة ذات جمال سالب للعقل والقلب! من أين بدأ هذا الرضا المطلق، وهذا الفيض من غبطته بالحب؟! هل أحببته فكافأك بحبه؟! هل دنوت بتمام طهرك فأدناك إليه، راضيةً نفسُك مرضيًّا عنها؟! أم هل أحبك هو أولًا، فرفع قلبك للتسامي بحبه؟! اصطفاك، اجتباك، وطهرك حتى تنال نصيبًا من عذوبة حبه..! ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ [النور: 36]

الانجذاب لله لا يمكن بحال تفسيره، لأنه نقاء خالص من الغرض، وارتفاع خالص من رغبات الجسد. جوهر هذا الانجذاب هو الذي عبرت عنه سادة الملائكة في خطابها الخاشع مع الله:

﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ [البقرة: 30]

التسبيح الذي يحمل فيما يحمل من دلالة في معناه: التعالي به للوصول إليه. ﴿وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ [الصافات: 164-166]

سيكبر في نفسك أن تكتشف - بعد طهر ضئيل وتبتلٍ متواضعٍ - أنه يحبك. سترتجف روحك البتول حين يخبرك الوعي في ومضات التجلي أن لك مقامًا معلومًا عنده. هذا الوعي الفاصل بين عالم الغيب والشهادة، هذا الوعي الذي يحول دون نيله عقلك المقيد بالمحدود الضيق.

كيف لرب الجلال والجمال أن يحبك أنت؟!

الذات المحمولة على موت مؤجل قريب الحلول،

الذات التي يعجزها إدراك ذاتها،

الذات التي تضعف عند كل رغبة، ويستبد بها الحرص بعد كل نعمة، وتتبرأ من فقرها بعد كل عرض من أعراض القوة..

أن يحبك الله: ﴿يُحِبُّهُمْ [المائدة: 54]

يصعب وصفه، وأصعب منه إدراكه! يغيب قلبي في العبارة ثم يعود منها، وقد أدركه حياء غالب، وعجز فاضح، وقد أيقن ضعفه بآخر ما تبقى فيه من وعي: ﴿وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا وَزَكَاةً [مريم: 13]. حنانه السابغ عليك، ورحمته بتطهيرك من طين طبعك الوضيع.

ومع اكتمال حس قلبك لوعي هذه العبارة وحلولها فيه، ومع إدراكك لعظيم وهنك، ورقة صفاتك، وقصر عبورك في الزمان، وضآلة بقائك فيه، وضمور معناك في جوهر المعاني، ومنزلتك في المنازل، ومحلك في المقام، ومقدار ما تنال، ومقدار ما تغترف، يأتي عمقك هنا في إثبات دلالة ﴿وَيُحِبُّونَهُ [المائدة: 54]. قلبك بيت الله، فلا تسكن فيه غيره.

سيكشف لك ما ترغب فيه.

سترتفع على ومضات من نبض قلبك له. ستصبح أنت المقام الذي يجمعه الحمد بكل جماله.

لقد جئت بلا شيء.

وستخرج من التجربة الدنيوية بكل شيء. ستخرج بتمام الجلال وبتمام الجمال، بل بالجلال كله والجمال كله. ستخرج بحب الله لذاتك.

قلبك حقل من الزعفران.. فلا تزرع فيه الذرة.

أن تحب الله وأن يحبك يعني أن يتعاقب الضوء على روحك وقلبك حتى تعود إليه: ﴿نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ .

لقد صرت إلى النور وانتهيت إليه.