الذي يبقى بعد عبور الفكرة

في داخل الإنسان منطقة لا تصل إليها الوقائع كما حدثت، وإنما كما أعادها الوعي بعد أن مرّت به.
هناك، لا تبقى التجربة حدثًا مكتملًا، ولا الفكرة خاطرًا عابرًا؛ تتداخلان حتى يصعب أن نعرف: أكان ما غيّرنا هو ما عشناه، أم الطريقة التي تعلّمنا بها أن نراه؟
فالخيال ليس نقيض الواقع ولا مهربًا منه، وإنما مختبره الخفي؛ المساحة التي يجرّب فيها الممكن شكله قبل أن يجد له موضعًا في الحياة.
في المخيلة تولد الفكرة ناقصة، ترتبك، تتبدّل، تنقض نفسها، وتعود في هيئة أخرى. لا يُطلب منها هناك أن تكون نهائية.
والإنسان لا يستطيع أن يحمل كل ما يتكوّن فيه إلى الخارج.
ثمة أفكار تبهرنا لحظة ثم تتلاشى، وأخرى تمرّ بهدوء، تستقر في طبقة بعيدة من الوعي، وتواصل عملها بصمت، حتى نكتشف بعد زمن أن نظرتنا إلى العالم تبدّلت من غير أن نعرف متى حدث ذلك.
هنا تبدأ المسافة بين الفكرة التي تمرّ بنا، والفكرة التي تعيد تشكيلنا.
ليست كل فكرة جديرة بالبقاء، ولا كل تجربة قادرة على أن تصير معنى. بعض ما نعيشه ينطفئ بانتهاء لحظته، وبعضه يظل معلقًا في الداخل، ينتظر وعيًا آخر يستطيع أن يقرأه.
لهذا قد نتأخر سنوات في فهم ما حدث لنا؛ لا لأن الحدث كان غامضًا، وإنما لأننا لم نكن قد صرنا بعد الشخص القادر على إدراك معناه.
كم من كلمة سمعناها قديمًا ولم تمسّنا، ثم عادت بعد زمن فبدت جديدة. وكم من كتاب أغلقناه دون أثر، ثم فتحناه بعد سنوات فوجدنا بين صفحاته شيئًا لم نكن نملك يومًا العين التي تراه.
النص لم يتغيّر.
نحن الذين تغيّرنا بما يكفي لأن نراه.
فالوعي لا ينمو بإضافة المعلومات وحدها، وإنما بإعادة ترتيب ما عرفناه. قد نعيش أعوامًا داخل تفسير واحد لحادثة، ثم يأتي موقف صغير فيمنح الماضي هيئة أخرى.
الحياة لا تعطينا أحداثها مرة واحدة؛ تمنحنا معها حق العودة إليها.
نعود إلى طفولة بعين لم تكن لنا آنذاك، فنفهم صمتًا استعصى علينا، أو غيابًا أسأنا تفسيره، أو خوفًا ظننّاه ضعفًا، فإذا به وجه آخر للنجاة.
فالزمن لا يمضي فقط؛ إنه يعيد توزيع المعنى.
ما كان جرحًا محضًا قد يصير معرفة، وما حسبناه خسارة قد يكشف لنا أيّ جزء منّا كان يحتاج إلى السقوط، وما ظننّاه نهاية قد يتضح، بعد مسافة كافية، أنه تحوّل لم نملك يومها اللغة التي تسمّيه.
ولعل النضج يبدأ حين ندرك أن بعض الأفكار التي دافعنا عنها طويلًا لم تكن حقائق نهائية، وإنما جدرانًا احتجنا إليها في مرحلة ما.
فالعقل نفسه يمكن أن يتقادم، والفكرة التي أنقذتنا في زمن قد تصبح عبئًا إذا أصررنا على حملها بعد انتهاء دورها.
لهذا لا يليق بالوعي أن يتحول إلى مستودع.
وظيفته الأعمق أن يختبر، ويعيد الصياغة، ويتخلّى عمّا فقد قدرته على إنارتنا.
ومع ذلك، لا يعمل العقل وحده.
في داخلنا أشياء تبدأ قبل اللغة؛ رجفة، انقباض، شعور مبهم لا نعرف له اسمًا. تأتي الفكرة لاحقًا محاولةً أن تمنح الأثر تفسيرًا.
ولعل الحقيقة لا تكون دائمًا فكرة.
أحيانًا تكون أثرًا.
شيئًا فينا يعرف قبل أن نفهم.
لهذا يحتفظ الجسد بما لا تجيد الذاكرة سردَه، وتوقظ بعض الأمكنة والوجوه والروائح فينا مشاعر لا نجد لها تفسيرًا مباشرًا.
فالإنسان أكبر من وعيه، وأبطأ من أن يفهم نفسه دفعةً واحدة.
نعيش أولًا، ثم نقضي جزءًا طويلًا من العمر نحاول أن نفهم ما الذي عشناه.
وفي المسافة بين التجربة وفهمها يتشكّل الكثير مما نصير إليه.
الخيال يفتح الاحتمال، والتجربة تمتحنه، والزمن يعيد تأويله، والوعي يقرّر، متأخرًا في الغالب، ما الذي كان جديرًا بأن يبقى.
غير أن ما يستقر فينا لا يأتي كلّه من تجربتنا الخاصة.
فليست كل الأفكار التي تسكننا قد وُلدت فينا.
بعضها وصل إلينا قبل أن نملك حق السؤال؛ دخل من الخوف، ومن التربية، ومن أصوات تكررت طويلًا حتى لبست هيئة اليقين.
نحملها أعوامًا، ونبني بها أحكامنا واختياراتنا، قبل أن تأتي لحظة نسأل فيها للمرة الأولى:
أيّ هذه الأصوات صوتنا حقًا؟
وقد يكون هذا السؤال أول باب يفتحه الوعي نحو حريته.
فالحرية الداخلية لا تبدأ عندما نفعل ما نريد، وإنما عندما نميّز بين ما اخترناه، وما اختارته عنا طبقات قديمة من الخوف والعادة والتلقين.
هنا يستعيد الخيال دوره الأعمق؛ لا بوصفه فرارًا من الواقع، وإنما قدرةً على رؤية الذات خارج صورتها الموروثة.
أن نتخيّل أنفسنا خارج خوف قديم، أو يقين لم نختبره، أو حكاية كررناها عن ذواتنا حتى حسبناها قدرًا.
فكل تحوّل كبير يبدأ بصورة لم توجد بعد.
والإنسان لا يستطيع مغادرة صورته القديمة ما لم يستطع أولًا أن يتصور صورة أخرى ممكنة.
لهذا لا نعيش بما حدث لنا فقط، وإنما بما سمحنا لأنفسنا أن نتصور أنه يمكن أن يحدث بعده.
ولعل أكثر ما ينقذ الإنسان ليس اليقين، وإنما قدرته على إبقاء باب داخلي مفتوح؛ لاحتمال آخر، ولمعنى آخر، ولصيغة أخرى للحقيقة.
فنحن لا نصل إلى الحياة في صورتها النهائية.
نعبرها وهي تعبرنا، ويعيد كلٌّ منا تشكيل الآخر.
وحين ننظر إلى الوراء، لا نجد الطريق كما كان؛ نجد أنفسنا موزعين على محطاته: فكرة تركناها، يقينًا سقط، خوفًا تجاوزناه في موضع لم ننتبه إليه، ومعنى ظل يمشي معنا طويلًا دون أن نمنحه اسمًا.
وفي النهاية، لا يبقى فينا أكثر ما مرّ بنا ضجيجًا، ولا أكثره بريقًا، ولا حتى أكثره ألمًا.
يبقى ما مسّ بنيتنا من الداخل.
ما غيّر زاوية رؤيتنا.
ما خرج من كونه فكرة، وصار جزءًا من الطريقة التي نرى بها الأشياء.
وربما لا تكون قيمة الفكرة في قدرتها على البقاء في الذاكرة، وإنما في قدرتها على مغادرتها إلى ما هو أعمق؛ أن تختلط بنا إلى حدّ لا نعود نعرف معه:
هل نحن الذين حملناها معنا،
أم أنها هي التي حملتنا، بصمت،
إلى النسخة التي صرناها؟














