في رحاب النبي (ص) … محبةٌ تهدي ورجاءٌ لا ينقطع

لم تكن محبة النبي محمد ﷺ شعورًا عابرًا في وجدان المؤمن، وإنما هي صلة تتجاوز العاطفة إلى الاقتداء والهداية واستحضار الرحمة التي أرسله الله تعالى بها إلى العالمين، فقد قال سبحانه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ . [1] فكانت رسالته رحمة في هدايتها، ورحمة في أخلاقها، ورحمة في أثرها الذي بقي ممتدًا في النفوس على مر تعاقب الأجيال.
ومن هنا يغدو التعلق بالنبي ﷺ تعلقًا بما جاء به من نور وهداية؛ قال تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ﴾ ، [2] وقال مخاطبًا نبيه ﷺ: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ . [3] وليس غريبًا أن يجد المؤمن في هذا الهدى سكينة تعينه على مواجهة الشدائد؛ لأن الاقتراب من المنهج النبوي يعيد للنفس توازنها، ويشد عزيمتها، ويجعل المحنة بابًا للصبر والرجوع إلى الله.
والمحبة الصادقة لا تقف عند حدود القول، وإنما يصدقها الاتباع والعمل؛ قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ . [4] وقال رسول الله ﷺ: «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحبَّ إليه من والده وولده والناس أجمعين». [5] فكلما رسخت المحبة في القلب، كان أثرها أظهر في السلوك والخلق والوفاء.
وقد قرن القرآن الكريم طاعة الرسول بطاعة الله، فقال سبحانه: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ ، [6] كما فتح للمذنب باب العودة والرجاء فقال: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ . [7] فالغاية في كل ذلك هي الله سبحانه وتعالى، فهو الغافر والشافي والرحيم، والنبي ﷺ عبدُه ورسولُه وحبيبُه الذي عظّم الله منزلته وأمر الأمة باتباعه والصلاة عليه.
ولهذا يتجه المؤمن إلى الله بقلب مفعم بالرجاء، مستحضرًا منزلة نبيه عند ربه، من غير أن يغيب عنه أن العطاء كله لله، وأن الشفاء منه سبحانه؛ فقد قال تعالى على لسان إبراهيم
: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ . [8] فالشفاء والفرج وقضاء الحاجات بيد الله، والرجاء الصادق يزداد صفاء حين يقترن بالإيمان والعمل والدعاء والتعلق بمن اختارهم الله لهداية عباده.
وهذا المعنى حاضر بقوة في مرويات أهل البيت
؛ إذ كانت صلتهم برسول الله ﷺ امتدادًا لرسالته وأخلاقه وهديه. ومن كلام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب
في وصف قربه من النبي ﷺ: «ولقد كنت أتبعه اتباع الفصيل أثر أمه، يرفع لي في كل يوم من أخلاقه عَلَمًا، ويأمرني بالاقتداء به». [9] إنها صورة بالغة الدلالة على أن القرب الحقيقي من النبي ليس قرب المكان وحده، بل اقتفاء الأثر والتخلق بالأخلاق.
ويبلغ الحنين إلى رسول الله ﷺ منزلة خاصة في القلوب؛ فالإنسان قد يقصد مكانًا؛ لأن فيه ذكرى من يحب، فكيف بمن ارتبطت به هداية الروح وسكينتها؟ ولذلك تتجه النفوس إلى رحابه، وتحملها الأشواق من بعيد، ويجمعها حب واحد وإن تباعدت أوطانها. فيغدو قصد المدينة المنورة مشهدًا تتلاقى فيه المحبة والسلام والصلاة عليه واستحضار سيرته.
غير أن أجمل ما في هذه المحبة أنها لا تنتهي عند لحظة وجدانية، وإنما تمتد إلى التفكير في المصير. فالدنيا مهما اتسعت أيامها قصيرة، والإنسان ماضٍ إلى يوم لا ينفعه فيه إلا ما قدم؛ قال تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ ? إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ . [10] ومن هنا تصبح الهداية النبوية زادًا للمعاد، لا مجرد ذكرى تُستحضر في مناسبات محدودة.
وقد علّم أهل البيت
أتباعهم أن المحبة والولاء لا ينفصلان عن العمل، فالمحبة التي لا تنعكس على السلوك تبقى ناقصة الأثر؛ أما حين تتحول إلى رحمة بالناس، وصدق في المعاملة، وصبر عند الشدة، ووفاء للحقوق، فإنها تصبح شاهدًا عمليًا على الاقتداء. [11]
ويبقى المؤمن بين الحب والرجاء؛ يحب رسول الله ﷺ لما حمله إلى البشرية من نور، ويرجو رحمة الله التي وسعت كل شيء، ويتطلع إلى شفاعة نبيه بإذن ربه. وقد أخبر ﷺ أنه ادخر دعوته المستجابة شفاعة لأمته يوم القيامة. [12] إنها صورة تفتح في القلب نافذة الأمل، من غير أن تفصله عن المسؤولية والعمل.
وهكذا يصبح الحب النبوي رحلة تبدأ من القلب ولا تنتهي فيه: شوق يبعث على القصد، وهداية تقوّي العزيمة، ورحمة توسع النفس، واقتداء يصلح العمل، ورجاء يمتد إلى يوم المعاد. وحين تستقر هذه المعاني في النفس، لا يعود الوفاء للنبي ﷺ كلمات ثناء فحسب، بل يصبح سيرة يعيشها الإنسان، ونورًا يستضيء به في طريقه إلى الله.














