آخر تحديث: 7 / 9 / 2026م - 11:52 ص

بلا ذاكرة

فوزي آل غريب *

ها نحنُ يا عشقُ كأنّا لم نكن،
انطفأت مصابيحُ الهوى في ممرّات الذاكرة،
وها أنا أُلملمُ ظلّي عن جدران حضوركِ،
فقد سقطَ الاسمُ من النداء،
وتكسّرت الأحلامُ
كزجاجِ نافذةٍ عبثت بها ريحُ الخذلان.

كيف جفّت الكلمةُ على شفتيكِ كأنها لم تكن؟
وأين اختبأت الوعود؟
أما كنتِ تقولين إنَّ المسافات لا تعني الفراق،
وأنَّ الدروبَ إن ضلّت، دلّتها القلوب؟
ها قد تلاشى الطريق،
وغدوتُ وحدي أسيرًا
في متاهةٍ رسمتها يداكِ.

ما أقسى أن يتحوّل العشقُ إلى نسيان،
وأن تُمحى الحروفُ التي خططناها على وجهِ العمر.
تُرى، أيُّ ريحٍ عصفت بكِ
حتى بدّلتكِ عمّا كنتِ عليه؟
أكان حبًّا،
أم وهمًا تعلّقتُ به
كغريقٍ تشبّث بظلِّ الماء؟

ما عاد ينفعُ الكلام...
قد صار الصمتُ أبلغَ من خُطبِ الدمع،
وغدت الذكرياتُ أطيافًا
تمرُّ أمامي بلا صوت،
كأنّها تودّعني أنا، لا أنتِ.

فامضي...

لكن إن مررتِ يومًا
بظلّي على ناصيةِ الندم،
فلا تسألي عنّي،
فقد علّمتني جراحُكِ
أنَّ الميّتَ لا يعودُ من قبرِ الغياب.

وانتهينا...

فامضي كما تشائين،
ولا تلتفتي خلفكِ؛
فما عاد لكِ ظلٌّ في عيني،
ولا ذكرى تسكنُ ما تبقّى من قلبي،
ولا اسمٌ يرتجفُ بين شفتيَّ
إذا ناديتُ الغياب.

كم كنتُ أظنُّ أنَّ الحبَّ لا يُنسى،
حتى تعلّمتُ أنَّ القلوبَ التي تُحبُّ بإخلاص
هي أكثرُ القلوب عُرضةً لأن تُتركَ وحيدةً
في عتمةِ النسيان.

أيُّ جحودٍ هذا
الذي حوّلكِ إلى سراب؟
وكيف تجرّدتِ من دفءِ العِشرة،
كأنَّ كلَّ ما كان بيننا
لم يكن؟

لكن لا بأس...

فالريحُ تعرفُ كيف تذرو غبارَ الرحيل،
والقلبُ الذي انكسر يومًا
يعرفُ كيف يلملمُ شظاياه،
وكيف يلتقطُ من عتمته ضوءًا
يكفيه ليبدأ من جديد.

فاذهبي،
إن كان الرحيلُ يرضيكِ،
لكن تذكّري:
كنتُ النبضَ والدفءَ،
وكنتُ ذلك القلبَ
الذي آمنَ بكِ حتى آخر الخيبة،
لكنني لن أكونَ ندمًا.

سأكونُ فقط...
ذلك الغيابَ الذي لا يملؤه حضور،
وتبقى بعده الكبرياءُ
آخرَ ما لا يستطيعُ الرحيلُ أن ينتزعه منّي.

وها قد انتهينا...

فلا تذكري اسمي،
ولا تطرقي أبوابَ الذكرى،
فأنا لم أعد هنا...
ولم أعد ذاك القلبَ الذي ينتظركِ.

وأيقنتُ أنَّ بعضَ القلوب،
حين تُخذَل...
تولدُ من جديد،
لكن بلا ذاكرة.

فارحلي بسلام،
وإن سألكِ الغدُ عنّي،
فقولي:

كان حلمًا،
وصحونا منهُ متأخّرين...