آخر تحديث: 7 / 9 / 2026م - 11:52 ص

أكبر من الطاولة.. في الجمعيات التخصصية

عماد آل عبيدان

ليست المشكلة في أن تكون الطاولة صغيرة..

فكل مجلس إدارة - مهما اتسعت أعماله - لا بد أن ينتهي إلى عدد محدود من الكراسي.

المشكلة تبدأ عندما تصبح حدود الطاولة هي حدود المكان الذي يفترض أنها تمثله.. فيكبر الاسم خارج الغرفة.. وتصغر الخريطة داخلها.

في العمل الأهلي فرق بين جمعية نشأت لخدمة حي أو بلدة أو نطاق جغرافي محدد.. وبين جمعية تخصصية تمتد رسالتها إلى محافظة كاملة.. فالأولى تعرف حدودها.. أما الثانية ففكرتها منذ ولادتها أوسع؛ لأنها لا تخاطب مكانًا بعينه وإنما تتجه بخبرتها وخدماتها ومشروعاتها إلى مساحة اجتماعية أرحب.

وهنا يصبح الاتساع أكثر من كلمة في التعريف.. ويصبح مسؤولية.

ولا يعني ذلك أن نأتي بخريطة المحافظة ونضعها فوق طاولة الانتخابات ثم نوزع الكراسي بعدد المدن والقرى.. فهذه وصفة أخرى للخلل تحوّل الكفاءة إلى حصص.. والعمل الأهلي إلى جغرافيا مقاعد.

الكفاءة لا عنوان بريدي لها.. فقد يأتي أفضل المرشحين من مكان واحد وليس من العدل أن يُبعد الأكفأ لكي نلوّن الخريطة.. لكن هناك فرقًا بين ألّا نجعل الجغرافيا شرطًا وبين أن تصبح الجغرافيا - من حيث نشعر أو لا نشعر - نتيجة دائمة.

والتناغم بين أعضاء أي فريق قيمة عظيمة، غير أنه لا يعني معرفة سابقة بين الأشخاص ولا تشابهًا في الدوائر ولا اعتياد كل واحد منهم على الآخر.

الفريق المتناغم ليس مجموعة أشخاص يعرف بعضهم بعضًا جيدًا.. هو مجموعة قدرات يعرف كل منها أين يكمل الآخر.

وربما كان القادم من خارج الدائرة المألوفة أكثر قدرة على إكمالها؛ لأنه يحمل سؤالًا لم يخطر لها ويعرف حاجة لم تصل إليها ويفتح بابًا لم تكن تعرف أنه موجود.

إن المجلس الذي يخدم نطاقًا واسعًا لا يحتاج فقط إلى من يعرف كيف يجلس إلى الطاولة وإنما إلى من يأتي إليها ومعه جزء آخر من الميدان.. بخبرة مختلفة وعلاقات مختلفة وزاوية لم يرها السابقون.

فمن السهل أن نخدم ما نعرفه..

والتحدي أن نعرف ما ينبغي أن نخدمه.

قد تكون في طرف من المحافظة كفاءة عملت سنوات في تخصص تحتاجه الجمعية لكنها بعيدة عن دوائرها المعتادة.. وقد يوجد شاب يملك معرفة حديثة أو امرأة تحمل تجربة مهنية تفتح بابًا لم يكن مفتوحًا.

فلا تقل أو تسأل: من أي بلدة جاء هؤلاء؟

إنما.. هل فتحنا الباب بما يكفي لكي يصل إلينا أفضل ما في المحافظة؟

وهذا يختلف كثيرًا عن المحاصصة.

المحاصصة تقول.. أعطني مقعدي لأنني من هنا..

أما المشاركة الواسعة فتقول.. لا تجعل المكان الذي جئت منه سببًا في ألّا تراني.

فالأولى تبحث عن حصة..

والثانية تبحث عن فرصة..

فالعدالة لا تعني أن يفوز الجميع وإنما أن يعرف الجميع أن الباب لم يكن يعرف أسماء الداخلين قبل أن يطرقوه.

وهذا هو الفارق بين المؤسسة التي تكبر بالأشخاص والمؤسسة التي تكبر بالنظام. الأشخاص - مهما كانوا مخلصين - يأتون ويذهبون.. وتبقى الثقافة التي صنعوها. فإذا اعتادت المؤسسة أن تبحث خارج دائرتها أصبح التجدد جزءًا من شخصيتها.. وإذا اعتادت إعادة إنتاج محيطها فقد تضيق مع الأيام من غير سوء قصد.. فالإنسان يرى القريب قبل البعيد.. ويثق بالمألوف قبل المجهول.

ويمكن لجمعية تمتد خدماتها إلى محافظة كاملة أن تجعل الطريق إليها لا يحتاج إلى معرفة أحد.. يحتاج فقط إلى شيء يستحق أن يصل.

فإذا جاء موعد قيادة جديدة لنقل..

مَن عنده ما يضيف؟

ليس لأن كل مكان يجب أن يكون له كرسي..

إذ إن كل كفاءة يجب أن يكون أمامها طريق إلى الكرسي.

ولا نريد مجلسًا يتفاوض على أنصبة المدن ولكن.. مجلسًا لا تشعر فيه مدينة أنها تحتاج أصلًا إلى أن تفاوض لكي تُرى.. ولا نريد أن يُختار شخص لأنه من مكان مختلف.. ولكن ألّا يكون اختلاف مكانه سببًا في أن يظل بعيدًا.

ويبقى الميزان أبسط من كل الشعارات..

كلما اتسعت مسؤوليتك.. وسّع نظرك.

فإن كانت رسالتك لمحافظة.. فلا يكفي أن تكتب اسم المحافظة في نطاق الخدمة.. اجعلها حاضرة في البحث عن الكفاءة وفي تنوع الخبرة وفي جسور التواصل.

وعندها لن نسأل من أي مكان جاء الجالسون حول الطاولة..

لأننا سنرى في أثرهم أن المحافظة كلها كانت حاضرة.