آخر تحديث: 7 / 9 / 2026م - 11:52 ص

محتوى واستهلاك

المهندس أمير الصالح *

كنت أتساءل قبل فترة: هل الظهور الإعلامي عبر شاشات المنصات الاجتماعية لأي فرد من أفراد المجتمع «العوائل»، هو شأن خاص بذاته، أم هو شأن عام قد يتعلق باسم عائلته أو أبناء مجتمعه ومدينته، أو سمعة دولته أو دينه أو مذهبه أو عرقه؟ أم أن كل ذلك يعتمد على نوع المادة والموضوع وأسلوب الطرح والتبعات والتفاعلات المتعلقة؟

حوار

كنت أظن أن الأغلب الأعم من أبناء العوائل والمجتمع الشرقي يتحرزون من الظهور الإعلامي المتعلق بالأمور ذات الصبغات السياسية والمهاترات الجنسية والصراعات الدينية والسلوكيات المبتذلة كالخلاعة والمجون والرذيلة. إلا أن وجود مغريات متعددة وأساليب استدراج تتضمن مكافآت مالية أو إحراز طعام بالمجان، فضلًا عن انتشار التسويق الرقمي، جعل البعض من الناس ومن عوائل محافظة يهرولون بشكل غير منطقي للظهور الإعلامي في منصات التواصل الاجتماعية «تيك توك، فيسبوك، سناب شات»؛ تارة حبًا للبروز والشهرة، وتارة حبًا في كسب المال، وتارة حبًا في كسب صحبة أصحاب المال والوجاهة. بالمقابل، وجد آخرون في العالم الرقمي منصة رائعة لتقديم أفضل زاد علمي، وأخلاقي، ومعرفي، وصحي، وثقافي… وعليه، ولجوا العالم الرقمي بمحتوى نافع لتحقيق أهداف راقية كالتعليم ونشر المعرفة وترسيخ الفضيلة ونشر الحكمة وإبلاغ التوعية الصحية وإيصال جزء من الحقيقة، دون أي دافع مالي أو نفسي.

نقاط تهم التربويين وأرباب الأسر

مع انفجار الثورة الرقمية في العالم، وحمل معظم الناس لجهاز هاتف متنقل «جوال»، انشغل البعض من أبناء المجتمع، في كل وقت فراغه أو معظم وقت فراغه، في تصفح صفحات الإنترنت وتطبيقات وسائل التواصل الاجتماعي. المؤسف أن المواد المنشورة في أغلب مواقع الإنترنت تطغى عليها مواد تشمل سفاسف الأمور، وكمية معتبرة أيضًا من المحتوى النافع. فهنا انشغل البعض في السفاسف، والبعض الآخر انشغل بمعالي الأمور. الأدهى سهولة الولوج في عالم منصات التواصل والنشر وإحراز الشهرة، ما جعل الكثيرين يتدافعون في فتح قنواتهم الخاصة.

وأرى شخصيًا أن ضعف المحتوى الرقمي في أي مجتمع أو قوته يعتمد على المستهلك الأخير، أي المتابع. فكلما زاد عدد المتابعين للمغردين الجادين والسنابر المحترمين، زاد مستوى المحتوى المعرفي النافع المتداول بين أيدي الناس. وكلما زاد عدد المتابعين والمحتفين بالمغردين الهازلين والسنابر الوقحين، زاد مستوى المحتوى الرقمي المنحط الساذج المتداول بين أيدي الناس. ولا عجب أنه إذا تفشى المحتوى النافع ارتفع الوعي، وإذا ساد المحتوى الرقمي الهابط تفشى الانحلال والهُزء والتهكم والخزي والسطحية والأمية العلمية.

رسالة شكر واعتزاز

شخصيًا أفتخر وأعتز عند سماعي بولادة مؤلف بارع أو كاتب مرموق أو محاضر بليغ أو شاعر مميز أو مفكر موضوعي مُقنع أو مترجم أمين في أوساط المجتمع. والعكس صحيح.

أثبتت أيام الشدة أن المجتمعات المنتجة تعيش بوجود العلماء الأمناء والمفكرين الأوفياء والكُتّاب الرصينين، وليس بوجود أصحاب المحتوى الهابط من صنف الهشك بشك والسح الدح إمبو.

حوكمة

في كثير من الدول، هناك لوائح قانونية تنظم المسموح بنشره، إلا أن وجود تطبيقات كسر البروكسي «VPN» على الإنترنت هشم حواجز الرقابة المحلية للكثير من الدول. والمؤسف أن عددًا ليس بالقليل تولّع قلبه باستخدام الVPN للاطلاع على أمور، سواء كانت علمية أو قبيحة، أو تروج لسلوكيات مختلفة.

تقوى الله

يشعر الكثير من أرباب الأسر بتضاءل أو ضعف تأثيرهم داخل كيان عوائلهم الكبيرة، واضمحلال قدرتهم على صياغة توجيه سلوك الشباب الصاعد في العالم الرقمي. ويزداد الشعور لديهم بالحرج وقلة الحيلة إذا ما عرف بعض كبار العوائل بأن أحد أفراد الأسرة «العائلة أو القبيلة» قد ولج في عالم غير محمود العواقب، وملوث للكرامة والسمعة.

البناء الأقوى في التربية هو بذر وزراعة ورعاية مفهوم تقوى الله في نفوس الجيل الصاعد في زمن الرقمنة، مع إدراج أنشطة تفاعلية تربوية نافعة واحتواء ذكي قبل فوات الأوان. الإهمال أو الانشغال أو التسويف لأمور التربية قد يُحدث، وقد أحدث، وسيُحدث شرخًا وفجوة كبيرين. وقد يجر لاحقًا إلى حالة ندم شديد في أنفس بعض أرباب الأسر وعموم أفراد العائلة، ولو بعد حين.

عدم ترك الميدان فارغًا

ينأى البعض بنفسه عن أي شيء، ويحمل شعار: إذا سلمت أنا وناقتي فلا أعتني بشيء آخر. نسي ذاك الشخص أو تناسى أنه، إن آجلًا أو عاجلًا، سيحتك هو أو أحد أبنائه أو إحدى بناته، من خلال المدرسة، الجامعة، الحي، السوق، الشارع، المجمع التجاري… إلخ.، بمن يحمل أفكارًا هدامة، وقد يكتسب ابنه جزءًا منها أو كلها. وعليه، من الجيد أن يشارك الكل، ممن يحملون روح المسؤولية، بقدر استطاعتهم في صنع وإنتاج محتوى نافع، أو كتابة مقال مفيد، أو إخراج فيلم قصير مكتوب أو مصور رصين يسوّق لقيم وأهداف تفيد من حولهم ومن قد يأتي من بعدهم.

خشبيات الأفكار

التخشب والأطر القديمة في التعاطي مع مشكلات الأجيال الصاعدة قد يؤتي بأُكُلٍ ضارة. من الجيد الاستفادة من التقنيات الحديثة لإيصال حِكَم وأفكار وسلوكيات نافعة. عالم الذكاء الاصطناعي أتاح لمجموعات بشرية عدة إخراج أفلام قصيرة متعددة، تحمل كل منها فكرة واحدة محددة ومختصرة بأساليب رائعة. وهذا مجال خصب لإنتاج محتوى نافع وأفكار تهم الأسر في شؤون النصح والإرشاد والتعليم والتحبيب في السلوك الحسن وتجذير تقوى الله.