آخر تحديث: 7 / 9 / 2026م - 11:52 ص

دخان وراء بيوت العشيش - الفصل الرابع والأخير

عبد العزيز شروفنا *

الدرج يقع في القسم الخلفي من المنزل، فكان النزول منه إلى الأسفل حيث الغرفة المربعة سهلاً، لكن ما يعيق الوصول إليها كثافة الدخان ورائحته الخانقة وانعدام الرؤية. النيران لا تزال خارج المنزل تحاول اقتحامه بعنف، تمد بعض أصابعها إلى الفناء الداخلي لتلتهم كل شيء في طريقها، ألسنة حمراء قاسية جائعة تنقض على ما حولها. قرقعة الأسقف الكبيرة تنهار في البيوت المجاورة، وأصوات الانهيارات تدوي بجنون، كل شيء بدأ يتحطم، لا يُسمع سوى صوت السعير.

عندما نزلت زوجة الكبوس أم علي وابنتها مريم من البيت المجاور وهما تصرخان، اندفعتا بأقصى قوتهما نحو الجهة الشمالية كما أخبرهما أبو علي. شعرتا وكأن عمراً جديداً كُتب لهما، لكن بغصة في الحلق ودموع تنسكب على ما مرتا به من معاناة، وما تشاهدانه أمامهما من مناظر تنفطر لها الأبدان وترتجف لها القلوب خشية أن تأتي هذه الألسنة المنفلتة على كل شيء.

بعد دقائق لم يكن الكبوس وحده من يحاول إنقاذ أمه، بل كان معه صديق عمره صادق، الذي تصادف مع أم علي وأخبرته بحاجة زوجها للمساعدة، فلم يتأخر دقيقة، بل هرع مسرعاً نحو بيتهم وانضم إلى الكبوس يبحثان عن أمه العجوز.

أما أم علي التي أسرعت كما أمرها زوجها إلى مناطق الأمان، فقد وجهها صادق قبل أن يلتحق بصديقه، وأشار عليها بالتوجه إلى نخل الدوالي الآمن نسبياً، وطلب منها العبور من بوابة العسكر، موضحاً لها طريق العوينة الذي يقع خلف السور. في هذا الطريق لا بد أن تمر على بوابة الحراسة العسكرية، لأنه المخرج الوحيد إلى ميناء القطيف، وعلى الجهة اليسرى خارج البوابة توجد العوينة، وهي بئر ماء متصلة بحوض كبير دائري، نموذج مصغر من عيون القطيف الكبيرة.

هناك رأت رجالاً أكفاء بهمة قل نظيرها ينقلون المياه، وشاهدت طوابير من الحمير القوية التي تنقل كميات كبيرة في براميل تنك. كان المركز خالياً تقريباً من العسكر الفداوية، فغالبيتهم انضموا إلى فرق الإطفاء والإنقاذ، خصوصاً بامتداد الطابور الرجالي الذي يعمل على إطفاء الجهات الشمالية.

لمحت في طريقها ولديها علي وقاسم يشاركان في ملء السطول والجرادل، لكنهما كانا بعيدين والوصول إليهما في تلك اللحظات ضرب من الخيال. اطمأنت لوجودهما مع العشرات من الصبية الذين يقومون بنفس المهمة، ودعت الله أن يحفظهما.

كل النسوة يمضين بوجل، متمتمات بالأدعية، فزعات كأنهن يعشن ساعات يوم المحشر. خُيّل لبعضهن أنهن يعشن الساعات الأخيرة من الدنيا، فلم يلح لهن في الأفق مخرج مما يرينه من بعيد، وظل منظره الرهيب يبقيهن في كآبة وسواد، خصوصاً الوجلات على أبنائهن وذويهن وأرزاقهن التي فُقدت في غمضة عين. أما الأخريات فيجررن صغارهن محاولات الاحتماء قرب جداول المياه في نخل الدوالي، يكررن الشهادة وينتحبن انتحاب الثكالى، رغم أنهن أصبحن بعيدات نسبياً عن مركز الخطر، لكن ألسنة اللهب المتقافزة من بعيد كانت تبث فيهن الفزع والرهبة.

لم ينتظر صادق طويلاً، اقتحم بيت السادة، كان خالياً من نزلائه، قفز إلى السطح، كان السور الفاصل بين البيتين قد انهار وأصبح كعريش متصل. لمعرفته بتفاصيل البيت الذي يتردد عليه منذ طفولته، استطاع الوصول مباشرة إلى صديقه الكبوس.

كانت النيران تصارع المياه، وكان الرجال قد توزعوا فوق المنازل العالية يكافحونها بالأواني البسيطة. من الأعلى بانت له كارثة القلعة في أوسع صورها، بيوت محترقة ومهشمة، أنقاض وبقايا أثاث، ولا تزال جيوب من اللهب تندلع هنا وهناك.

دلف مسرعاً نحو الدرج، لقد أتت النيران على كامل واجهة بيت الكبوس ولا تزال تلتهم أجزاءه، وهو يسمع جيوش الشباب من الأسفل، بعضهم أعلى السلالم يطفئون. نادى عدة مرات على الكبوس فلم يجبه. استطاع بعد جهد ومعاناة الوصول إلى آخر دار في الأسفل، كانت الأدخنة خانقة، لم يعبأ، وصل أخيراً، كان الإرهاق والإعياء بادين على محيا صديقه.

قال الكبوس: الله جابك، ساعدني في حملها بالبطانية. لم تستطع المقاومة، ماتت على يدي، لقد اختنقت. سأكمل لك ما حدث فيما بعد.

لم يتحمل صادق منظر قريبته أم الكبوس فأخذ يبكي: خسرناك يا أم حسن، خسرنا الأحبة.

جاءه الجواب الفوري من الكبوس بصوت أجش تخنقه العبرات وهو يخفي وجعه: لا مجال الآن للبكاء، علينا الإسراع قبل أن تلتهمنا النيران. هيا لنصعد بسرعة، قالها بشجاعة.

حملاها إلى الأعلى، لا تزال بعض الألسنة تقاوم المياه لكنها أصبحت أضعف. صعدا إلى الأسطح المتهالكة، بعضها على وشك السقوط، ولم يتبق إلا مسارات قليلة وخطيرة. انتقلا بحذر شديد إلى بيت السادة في طريق العودة، وعندما عبرا سطح بيت الجيران، سمعا صوتاً رهيباً مخيفاً، لقد سقط سقف منزلهما بالكامل وهوى إلى الأسفل، المكان الذي كانا فيه منذ بضع ثوانٍ فقط، هوى إلى قاع الأرض.

دمعت عين صادق مرة أخرى من هول المنظر وهما يحملان جثة أم حسن. قال الكبوس: هيا بسرعة يا صديقي، أعرف أن الدموع تغسل الآلام، لكن للدموع وقت آخر. لقد احترقت المئات من المنازل وفقد العشرات أحبتهم في هذا اليوم المشؤوم، والآن علينا أن نأخذها إلى بيت أختها معصومة في حي الوارش الذي لم تصل إليه النيران.

كانت الشمس قد شارفت على المغيب، أسرع بعض الصبية بنقالة بدائية من الخيش مربوطة بخشبتين، وضعا المرحومة وغطياها بالبطانية، وأخذاها إلى بيت أختها معصومة. في ذلك المنزل لم تكن جثة المرحومة وحدها، بل بجوارها جثث أخرى وأطفال مصابون ونساء يبكين أحبابهن وأخريات بين الصحو والإغماء.

قبل أن ينهي الكبوس ورفاقه المهمة، رجعا إلى الموقع مرة أخرى، كانت هناك دماء على بدلة الكبوس من جهة الركبة وكدمات على وجهه الذي أصبح متورماً، لم يعبأ لذلك. قال لصديقه صادق الذي بان عليه الوهن: لننه المهمة، لا بد من إخماد أنفاس هذه الحرائق الملعونة أولاً.

عندما وصلا، كان كل شيء قد انتهى تقريباً، بيوت خاوية وسواد رهيب يغطي كومات من جذوع النخيل، هنا صناديق أنصاف محترقة، وقريب منها مجموعات من جثث الأبقار والماعز المحترقة بالكامل. الرجال ينقلون الضحايا، بكاء وعويل من جميع الجهات، وجوه مقفهرة كالحة بفعل الدخان، أجسام نحيلة وعيون حائرة، ماذا حل بقلعتنا هذا اليوم؟

سار الصديقان باتجاه المكلومين والمصابين، يواسيان أصحاب المصائب الكبيرة. وعند المغرب، وربما بعده، اعتلى الحاج محمد مأذنة مسجد الدبيس الذي ظل صامداً ولم يتضرر إلا قليلاً، لقد حمته الجموع بكل ما أوتوا من قوة. بعد أن انتهى المؤذن من أذانه، سمعه جميع الحاضرين وهو يجهش بالبكاء، منادياً الناس للتوجه إلى المساجد والحسينيات ودور العبادة ليأووا إليها في هذا الليل البائس، مكرراً: يا أصحاب الخير، يا أجاويد، الصاحي يساعد المحتاج، والغني يساعد الفقير، القوي يساعد الضعيف، الكبير يساعد الصغير، قالها والحشرجة في حنجرته تحوله إلى بكاء. وغداً سيكون التشييع الجماعي سينطلق من حسينية البارجة، اللهم ارحم موتانا وشافي جرحانا يا أرحم الراحمين.

مضى الكبوس وصديقه يتفقدان الموجوعين، وقد خاطب الكبوس كل من تجمع بالقرب من المسجد قائلاً: لقد وصلني يا إخوان أن جميع بيوت القلعة مفتوحة لكم، هم إخوانكم وأهلكم، فلا تترددوا، كل بيت مفتوح أبوابه ادخلوه هذه الليلة، ومن يوم غد ولمدة أسبوع، سيكون فطور الصباح يقدم للمحتاجين في منطقة الجامع من قبل الفلاحات حفظهن الله، وكلنا سنكون يداً واحدة.

لم ينم غالبية الناس تلك الليلة، الليل هو للدموع والأنين والآهات والحسرات، الذين فقدوا أحبتهم خبأوا رؤوسهم في أحضانهم وجلسوا القرفصاء ينتحبون. جلست بعض النسوة اللواتي فقدن بيوتهن يندبن حظهن العاثر، وكانت بعض البدويات يولولن: لم يبق لنا في هذه الدنيا إلا الحسرة، فقدنا كل شيء، حتى أختي صيكة فقدناها هي وابنتها عائشة. قالت سبيكة للحاجة المعلمة السيدة، التي أخذتها بالأحضان والدموع، بكين الاثنتين وبكت بقية النسوة، كل يندب حاله ويرفع شكواه إلى خالقه. قالت لها المعلمة: وفدوا السعداء على كريم، الأمر والمرجع له وحده.

عندما بزغت الشمس وبان وجع الكارثة، سواد الأرض والمنازل المحترقة يلفه الكآبة، دمار يلف هذه البقعة من القلعة حولها إلى ما يشبه منجم فحم انبعث من باطن الأرض، كل شيء بدا متفحماً، بقايا الجدران المدمرة والحيوانات المحترقة والأواني المنزلية أصبحت قطعاً من السواد المتآكل.

بكت صيكة بنحيب عندما اقترب منها الكبوس ومعه أولاده علي وقاسم، اللذان أصبحا شاحبين أشعثي الشعر ممزقي الثياب، لكنهما كانا فخورين بما قاما به، فقد ازدادت أكتاف قاسم عرضاً بينما راح ولده الكبير علي يساهم في تقديم العزاء لصيكة، التي دعت لهما بالرحمة في فقد والدته وتجاوز الأزمة، فقالت للكبوس: مصابي من مصابك الله يجبر بخاطرك.

نظر في السماء وقال: غداً علينا أن نبدأ رحلة البناء، لنؤجل الدموع، سنبكي أحبتنا في القلوب، لكن سنعمر بسواعدنا الدروب. إلا أن دمعة كبيرة ساخنة أبت إلا أن تنزل شاقة طريقها عبر خده المتورم، داراها برفق بطرف كم بدلته المهترئة وخبأ جانب وجهه بكبوسه العزيز. ثم نظر لمن حوله قائلاً: كنتما يا أبنائي أبطالاً من هذا العصر الذي ستروون قصصه للأجيال القادمة.