آخر تحديث: 7 / 9 / 2026م - 11:52 ص

عبدالجليل السيف.. رجل دولة عرفتُ فيه الوطن والإنسان

منير النمر *

اليوم يفقد الوطن أحد رجالاته المخلصين الذين أفنوا سنوات طويلة في خدمة الدولة والإنسان. ويرحل الدكتور عبدالجليل بن علي بن عبدالله آل سيف بعد مسيرة وطنية حافلة بالعطاء والمسؤولية، تاركًا وراءه سيرة طيبة وأثرًا سيبقى حاضرًا في ذاكرة من عرفه وعمل معه.

وبالنسبة لي، لا أكتب اليوم عن سيرة قرأتها، ولا عن مسؤول عرفته من خلال منصبه، بل عن رجل عرفته قبل نحو عقدين من الزمن، وجمعتني به خلال هذه السنوات صلة مهنية وإنسانية جعلت خبر رحيله مختلفًا.

لا أتذكر على وجه الدقة أول لقاء جمعني بالدكتور عبدالجليل السيف، لكنني أتذكر جيدًا الانطباع الذي تركه في نفسي منذ البدايات. شعرت، كإعلامي وصحفي، أنني أمام شخصية مختلفة؛ رجل هادئ ومتزن، يعرف ماذا يقول، ويحترم السؤال وصاحبه، ولا ينظر إلى الصحفي بوصفه خصمًا، حتى عندما تكون الأسئلة صعبة.

ورغم مشاكستي الصحفية، وهي مشاكسة مهنية كنت ولا أزال أراها جزءًا من واجب الصحفي في البحث عن المعلومة والحقيقة، فإنها لم تتحول يومًا إلى حاجز بيني وبين الدكتور السيف. كان يتقبل السؤال، ويناقش، ويوضح، وظلت علاقتنا المهنية قائمة على الاحترام طوال تلك السنوات.

عرفته بصورة أكبر من خلال الجمعية الوطنية لحقوق الإنسان، حين كان من الشخصيات الفاعلة في فيها، خاصة فرعها بالمنطقة الشرقية، وفي مرحلة كانت فيها العديد من القضايا الحقوقية والاجتماعية والبيئية تحتاج إلى قدر كبير من المسؤولية، كان الدكتور السيف حاضرًا ومتجاوبًا معنا في كثير من التقارير التي عملت عليها ونشرتها بالجريدة، وفي غير مرة كان يوجه الدعوة لي لحضور المناسبات المهمة، ولا أملك إلا الاستجابة له؛ كونه شخصية يجبرك على احترامه بسبب اخلاقه الحسنة.

لم يكن يبخل بالمعلومة حين يرى أن وراء نشرها مصلحة عامة، ولم أشعر خلال تعاملي معه بأنه يبحث عن حضور شخصي أو ظهور إعلامي. كان ينظر إلى الإعلام باعتباره شريكًا في خدمة المجتمع، ويقدر دور الصحفي ومسؤوليته في إيصال المعلومة، ومع امتداد معرفتي به، أدركت أن الجانب الحقوقي الذي عرفته من خلاله لم يكن سوى فصل من سيرة وطنية طويلة.

فابن جزيرة تاروت بمحافظة القطيف أمضى عقودًا في خدمة الدولة، وكانت له تجربة مبكرة في مجال المرور والسلامة المرورية، وعمل مشرفًا عامًا على مدارس تعليم قيادة السيارات في المملكة، وخبيرًا ومستشارًا في شؤون المرور، كما درّس مادة المرور في كلية الملك فهد الأمنية.

وتدرج في مواقع المسؤولية في وزارة الداخلية، فتولى مهام في الإدارة العامة للتنظيم والبرامج، ثم الإدارة العامة للاستقدام، والإدارة العامة للخدمات الطبية، وارتبط اسمه كذلك بالسلامة المرورية علمًا وعملًا، وله في هذا المجال دراسات ومؤلفات ومشاركات متخصصة.

كذلك امتدت تجربته الوطنية إلى مجلس الشورى والعمل في عدد من المجالس واللجان، ومنها مجالات حقوق الإنسان والضمان الصحي، ليجمع في مسيرته بين الخبرة الإدارية والأكاديمية والحقوقية والاجتماعية؛ لكن المناصب، مهما تعددت، لا تختصر الرجال، فمن عرف الدكتور عبدالجليل السيف وتعامل معه يدرك أن قيمته لم تكن في قائمة المناصب التي شغلها فحسب، وإنما في الإنسان الذي كان يقف خلف المنصب.

ولعل أكثر ما بقي في ذاكرتي عنه حرصه على أن يلتقي الوطن والإنسان في مساحة واحدة. كان حريصًا على حقوق الإنسان وكرامته، شديد الحرص على وطنه ومصلحته وأمنه واستقراره، إذ لم تكن خدمة الإنسان لديه منفصلة عن خدمة الوطن، ولم يكن الانتماء للوطن شعارًا، بل ممارسة ومسؤولية وعملًا امتد عقودًا.

لهذا كنت أراه رجل دولة يرى الإنسان في قلب الوطن، ويرى الوطن مظلة للإنسان.. وبالنسبة لنا في محافظة القطيف، فإن رحيله يمثل أيضًا فقدًا لأحد أبنائها الذين تجاوز عطاؤهم حدود المكان، فهو الرجل الذي انطلق من جزيرة تاروت، وحمل معه انتماءه إلى مجتمعه، لكنه جعل المملكة كلها ميدانًا لخدمته وعطائه، متنقلًا بين مواقع مختلفة بينما ظل الهدف واحدًا: خدمة الدولة والمجتمع.

واليوم، وأنا أستعيد ما يقارب عقدين من معرفتي به، لا أتوقف عند تقرير صحفي بعينه ولا عند تصريح محدد، على كثرة ما جمعنا من مواد ومواقف مهنية، بل أتذكر الرجل نفسه.. أتذكر هدوءه، واتزانه، واحترامه للآخر، وتجاوبه مع الصحفيين، وقدرته على الاختلاف دون أن يفقد احترامه لمن أمامه…، أتذكر قبل ذلك كله رجلًا وطنيًا مخلصًا أمضى جانبًا كبيرًا من حياته في خدمة وطنه والإنسان.

بعد نحو عقدين من المعرفة، يصبح من الصعب أن تختصر رجلًا في مقال، والأصعب أن تكتب عن شخص عرفته طويلًا بصيغة الماضي.

رحم الله الدكتور عبدالجليل السيف رحمة واسعة، وغفر له، وأسكنه فسيح جناته، وجزاه عن وطنه ومجتمعه وكل من خدمهم خير الجزاء.

رحل الرجل.. وبقيت السيرة، وبقي الأثر

شاعر وصحافي