آخر تحديث: 7 / 9 / 2026م - 11:52 ص

قُل ماتشا… بالطريقة اليابانية

فوزي آل غريب *

ثمة أشياء تبدأ صغيرة، ثم تكبر من غير أن تغيّر حجمها.

فنجانٌ مثلًا.

قد يكون من الخزف، لا يتّسع إلا لشيء من الماء ومسحوق أخضر، ومع ذلك يحمل في جوفه قرونًا من السفر والتأمل والعزلة والطقوس. ولعل الماتشا واحدة من تلك الأشياء التي لا يصح أن ننظر إليها بوصفها مشروبًا وحسب؛ لأن وراء خضرتها حكاية أطول من الملعقة التي تحرّكها، وأعمق من الصورة التي تُلتقط لها على طاولة مقهى.

اليوم، نقول: ماتشا.

ثم نطلبها باردة أو ساخنة، بالحليب أو من دونه، ونراها تتكاثر في قوائم المقاهي كما لو أنها وُلدت في زمن المنصات والصور القصيرة. غير أن هذا الأخضر الذي أصبح لونًا عصريًا، كان قبل أن يدخل أكواب المدن الحديثة يسكن عالمًا مختلفًا تمامًا؛ عالم الرهبان والصمت والتأمل.

والطريف أن الأشياء حين تشتهر، ننسى طفولتها.

جذور الشاي أقدم من الماتشا اليابانية بصورتها الثقافية المعروفة، وتمتد إلى الصين التي عرفت الشاي منذ آلاف السنين. وفي اليابان عرف الناس الشاي في مراحل مبكرة، لكن القرن الثاني عشر كان منعطفًا مهمًا حين عاد الراهب البوذي إيساي من الصين حاملًا معه بذور الشاي ومعرفةً بثقافة تناوله، وأسهم في نشره بين رهبان الزن. لم يكن الأمر آنذاك بحثًا عن مشروب جميل للصورة، بل ارتبط الشاي باليقظة والتركيز، خصوصًا خلال ساعات التأمل الطويلة.

وهنا تبدأ المفارقة الجميلة في حكاية الماتشا:

ما كان يومًا رفيقًا للصمت، صار اليوم رفيقًا للضجيج.

خرج من الأديرة إلى مجالس النخبة، ومن مجالس النخبة إلى تقاليد المجتمع الياباني، ثم ارتقى إعداد الشاي شيئًا فشيئًا من مجرد تحضير شراب إلى طقس كامل له لغته وحركاته وأدواته وفلسفته. وفي مراسم الشاي اليابانية لم يعد السؤال: كيف نشرب؟ بل: كيف نحضر في اللحظة التي نشرب فيها؟

فالإناء له معنى، والحركة لها معنى، وانتظار الماء له معنى.

حتى الصمت له وظيفة.

كأن اليابانيين أخذوا شيئًا بسيطًا وقالوا للعالم: ليست قيمة الأشياء فيما تملكه، بل في مقدار الانتباه الذي تمنحه لها.

والماتشا نفسها تختلف عن كوب الشاي المعتاد؛ فهي مسحوق أخضر ناعم يُحضّر من أوراق شاي عولجت بطريقة مخصوصة ثم طُحنت، ولذلك لا نتعامل معها بالطريقة نفسها التي نتعامل بها مع أوراق الشاي التي تُنقع ثم تُرفع من الماء. هنا يصبح المسحوق نفسه جزءًا من الشراب.

ومن هذه الخضرة جاءت سمعتها الصحية.

يحتوي الشاي الأخضر على مركبات نباتية من بينها الكاتيكينات، كما يحتوي على الكافيين. وتشير الأبحاث إلى احتمالات وفوائد محدودة في بعض الجوانب، مثل تأثيرات متواضعة في الوزن وبعض مؤشرات الكوليسترول، لكن العلم أكثر تحفظًا من لغة الإعلانات؛ فليس كل ما يُقال عن الشاي الأخضر أو الماتشا من وعود صحية قد ثبت بصورة قاطعة.

وهذه نقطة تستحق الوقوف عندها.

نحن نعيش زمنًا لا يكتفي بالطعام حتى يمنحه وظيفة خارقة.

مرة نبحث عن شراب يحرق الدهون، ومرة عن ثمرة توقف الشيخوخة، ومرة عن مسحوق يعيد ترتيب الجسد كله. والحقيقة أبسط وأقل إثارة: الغذاء الجيد جزء من نمط حياة، وليس عصًا سحرية.

والماتشا ليست استثناءً.

وجود الكافيين فيها يعني أن الإفراط قد لا يناسب الجميع، خصوصًا من يتأثرون بالكافيين من ناحية النوم أو التوتر والارتجاف. كما أن مستخلصات الشاي الأخضر المركزة في المكملات الغذائية ليست مساوية بالضرورة لشربه كمشروب؛ فقد ارتبطت بعض المستخلصات المركزة، في حالات غير شائعة، بأضرار في الكبد، كما يمكن للشاي الأخضر أو مستخلصاته أن تتداخل مع بعض الأدوية.

إذن حتى الأخضر الجميل له ظله.

وهذه ربما إحدى القواعد التي نرفض تعلمها: ليس في الطبيعة شيء يحمل كلمة ”مفيد“ على إطلاقها. المقدار، والحالة الصحية، وطريقة الاستهلاك، كلها تدخل في المعنى.

لكن كيف عبرت الماتشا المسافة الهائلة من وعاء راهب إلى كوب شاب يجلس اليوم في مقهى في الرياض أو لندن أو نيويورك؟

هنا تتدخل العولمة بطريقتها العجيبة.

ما كان محليًا أصبح قابلًا للسفر، وما كان طقسًا أصبح منتجًا، وما كان مذاقًا يابانيًا صار نكهة تدخل في الحليب والحلوى والآيس كريم والكعك والمشروبات الباردة. ثم جاءت ثقافة المقاهي ومنصات التواصل، وكان للماتشا شيء تحتاج إليه هذه الثقافة بشدة: لون يمكن تصويره.

الأخضر لا يمر عابرًا أمام الكاميرا.

وهكذا بدأت الماتشا تعيش حياة ثانية.

لم تعد محصورة في مراسم الشاي، بل ظهرت في أكواب شفافة فوق الثلج، وفي مشروبات اللاتيه، وفي وصفات لا تكاد تنتهي. ومع ازدياد إقبال الأجيال الشابة والمستهلكين الباحثين عن بدائل مرتبطة بصورة صحية، ارتفع الطلب العالمي عليها بدرجة كبيرة، حتى إن اليابان شهدت في السنوات الأخيرة ضغوطًا على الإمدادات وارتفاعًا في الأسعار، بالتزامن مع نمو صادرات الشاي الأخضر.

ومن هنا يصبح السؤال أعمق من الماتشا نفسها:

حين يأخذ العالم شيئًا من ثقافة قديمة ويحوّله إلى ”ترند“، ماذا يبقى من الأصل؟

ربما يبقى شيء، ويضيع شيء.

لا بأس أن نشرب الماتشا بالحليب، ولا أن نضع الثلج فيها، ولا أن نصورها. فالثقافات التي لا تتحرك تتحول إلى متاحف. لكن الجميل أن نعرف، ونحن نرفع ذلك الكوب الأخضر، أن ما في أيدينا ليس اختراع مقهى حديث، وأن وراء الرغوة تاريخًا طويلًا قطعت فيه أوراق الشاي رحلة من الصين إلى اليابان، ثم وجدت مكانها في حياة الرهبان، وبعدها في ثقافة النبلاء والمحاربين وطقوس الشاي، قبل أن تعبر البحار مرة أخرى إلى العالم.

لقد تغيّر الكوب كثيرًا.

أما الإنسان، فربما لم يتغير بالقدر نفسه.

فالراهب القديم كان يبحث في الماتشا عن يقظة تساعده على مقاومة النعاس، والإنسان الحديث يطلبها أحيانًا للغاية ذاتها قبل عمل طويل أو صباح مزدحم. الأول كان يجلس أمام سكون المعبد، والثاني أمام شاشة حاسوبه؛ تبدّلت الجدران، وبقي التعب.

ولهذا، حين يقول أحدهم اليوم: ”ماتشا“، قد يسمعها بوصفها اسم مشروب رائج.

لكن خلف الكلمة صوتًا أبعد.

صوت حجرٍ كان يطحن أوراق الشاي ببطء، ويدٍ ترفع وعاءً في طقس محسوب، وراهبٍ يبحث عن اليقظة، وزمنٍ لم يكن يعرف أن مسحوقه الأخضر سيعبر بعد قرون قارات كاملة، ليقف شخص أمام قائمة طويلة في مقهى حديث ويسأل بكل بساطة:

ماتشا ساخنة أم باردة؟

وربما لو استطاع التاريخ أن يجيب، لابتسم فقط.

فبعض الأشياء تسافر آلاف الأميال ومئات السنين، ثم تنتهي في أيدينا كأنها وصلت للتو.

وتلك، على الأرجح، أجمل حكاية في كوب الماتشا.