انتداب موظفة
في عام 2021 م صدمنا شخصٌ في ديوانية بطرحه سؤالًا غريبًا يومذاك، ومفاده:
إذا أتى موظفةً، بشركة وطنية عملاقة، من بنات مجتمعنا المحافظ والإسلامي، ترشيح للانتداب بإحدى الدول الأجنبية الغربية لمدة أشهر أو سنة أو أكثر، فما هي ردود أفعالكم؟! وكانت الإجابات يومذاك، وبالأغلبية الساحقة: الرفض للانتداب.
شخصيًا تحفظت عن الإجابة وقلت له: الأمر يعتمد على أمور عدة، منها ما هو معلوم ومنها ما هو غير معلوم من سياق السؤال: «أهمية المال لتلكم الفتاة في حفظ كرامة نفسها وأهلها»! فهل الموظفة عزباء أم متزوجة؟ وهل تلك الموظفة هي معدّة نفسيًا وتربويًا وأخلاقيًا للعمل بالخارج وبأجواء مختلطة أم لا؟! فليس كل ذهاب للغرب يعني شيئًا سيئًا، وليس كل ذهاب للشرق يعني شيئًا جيدًا. بل إن هناك دور عبادة في بعض مدن الغرب أفضل وأنشط وأنفع للجاليات الإسلامية من مثيلاتها في الشرق!!
كما أن عددًا ليس بالقليل من الشباب، وعبر أجيال، ذهبوا للخارج الغربي / الشرقي سياحة وتاهوا بسبب الصدمات الحضارية وضعف الوازع الديني وسطحية الوازع الأخلاقي؛ كما أن كثيرًا من الشباب، وعبر أجيال، ذهبوا لدول الخارج الأجنبية وحققوا طموحهم، سواء بإنجاز أعمال انتداب / بالحصول على شهادات علمية مرموقة، ورجعوا لأرض الوطن وخدموا مجتمعهم ووطنهم. ونحن ما زلنا نفتخر بهم. والانتداب للعمل لشركة وطنية هو وسام شرف في المسيرة المهنية.
بعد انتهاء الحوار في تلكم الأمسية تفرق الجمع، إلا أن فكرة السؤال عاشت في وجداني وما زالت. تطاولت السنين عن ذلك الموضوع، وبرزت لاحقًا ظواهر وتحديات وصعوبات اجتماعية متعددة وجديدة، ولم تكن معهودة في الزمن السابق؛ ومن تلكم المظاهر ظاهرة الخلع وظاهرة النساء الكسالى وظاهرة «الوظيفة أم الأسرة»، وظاهرة سفر مجموعات نسائية إلى دول أجنبية، كروسيا واليونان وإيطاليا، من دون مَحرم، وظاهرة الندوات الثقافية المختلطة بشكل غير فاصل، وتزايد زواج الشباب بالنساء الموظفات … إلخ. وكل تلكم الظواهر خلقت وتخلق أسئلة، وتستوجب حوارات حضارية داخل المجتمع الحي لتضمن جملة تفاهمات مقنعة وشافية وملتصقة بالهوية، ومعالجات ناهضة تتسم بالاستدامة. فالمتزوج بموظفة ناجحة من المفترض أن يتوقع لها ترشيحًا لترقيات وظيفية، وترشيحات سواء بانتدابات عمل أو انتقال لتغطية عمل لمناطق أخرى. وهنا تبرز حوارات متشعبة بأمور تتصل بالجذور والهوية والتربية والتأهيل على مستوى الأسرة والمجتمع، وكذلك للمتزوج بالشروط الواردة والمتفق عليها في عقود الأنكحة مع زوجته.
يترعرع معظم أطفال العالم في أجواء عائلية مُشبعة بالحنان والرحمة والرعاية والكرامة والأخلاق والاحترام. ومع نمو الطفل يصبح مراهقًا، وهنا يجب صقله من قبل والديه، وإعداده للحياة كي يكون أكثر استقلالًا واعتمادًا على نفسه. ولذا من المهم تكليف الابن المراهق بأداء وظائف مختلفة، كتنظيف غرفته بشكل دوري، وترتيب ملابسه بعد غسلها، وشراء بعض المقاضي اليومية، والجلوس في مجالس الرجال، وحضور الأفراح والأتراح، والتمييز بين الجد والهزل، والخبيث والطيب، والماكر والساذج من الناس.
في مرحلة ما من عمر الفتى / الفتاة يستقل الفتى «الفتاة» عن بيت أبيه بسبب الدراسة بالخارج / العمل بمدينة أخرى، ويصبح فجأة جزءًا من مجموعة بشرية أخرى في السكن. أي يسكن ذاك الشاب مع مجموعة في شقة سكنية أو مجمع سكني، مع عادات وأفكار وسلوكيات متنوعة.
وهنا يدرك ذاك الشاب «الفتاة» أن عليه إدارة حياته في إعداد الطعام لنفسه بنفسه، وإدارة موارده المالية، والاعتناء بنظافة ملابسه، وترتيب فراشه، وغسل ملابسه وكيّها، وملاحظة أفكاره وسلوكياته، والتنقيب عن حلول ناجعة لتحديات حياته.
الزواج ليس علاقة رابح وخاسر، ولا علاقة مستفيد ومقدم خدمة، ولا علاقة خادم بمخدوم، بل علاقة سكن ومودة ورحمة وتعاون بين طرفين من جنسين مختلفين «ذكر وأنثى» لبناء حياة كريمة مشتركة.
مع شديد الأسف، البعض ينظر للمرأة في إطار جسد أو آلة بمهنة / مهن محددة: طباخة ومنظفة وكاوية للملابس، وللمتعة في الفراش، ومتعهّدة بحراسة المنزل، ومرضعة للأطفال. علاقة الزوج بزوجته أكبر من شؤون المنزل وتربية الأطفال. اختزال الحياة الزوجية كلها في الطبخ والغسيل والتنظيف وخدمة البيت أمر غير إنساني وغير حضاري وغير روحي.
وما تفعله الزوجة من اهتمام وتعاون ورعاية لبيتها وزوجها يُعتبر من حسن العشرة وطيب الخلق؛ كما أن تعاون الزوج معها ومراعاته لها ولتعبها أيضًا يُعتبر من حسن العشرة وطيب الخلق وكرم الأخلاق. ويجب معاملة الإحسان بالإحسان والمعروف بالمعروف.
ومن الخطأ الشائع ببعض المجتمعات أن تكون تربية وتنشئة الفتيان وكأنهم جالبي أموال وليس لهم أي تدخل بشؤون المنزل، وأن تكون تربية الفتيات وكأنهن مجنّدات للزواج، وحصرًا في إطار شؤون الطبخ والتنظيف والفراش ورعاية الأطفال فقط.
من النافع والمفيد أن يتعلم الفتى كما تتعلم الفتاة، وهما في بيت والديهما، أمورًا ومهاراتٍ كثيرة مثل الطبخ والترتيب والتنظيف والعناية الشخصية وفنون التواصل الفعال ومهارات قراءة لغة الجسد وإتيكيت اللباقة والضيافة وحسن إدارة الوقت؛ فهذه مهارات حياة، وليست مهارات مرتبطة بجنس معين أو بالحالة الزوجية أو الطبقة الاجتماعية. إهمال تعليم وتوجيه وتربية وإرشاد الفتاة والفتى في بيت والديهما بسبب الدلال الزائد يعني بداية ملامح انهيار مشروع زوج ناجح / زوجة ناجحة في المستقبل.
فكما الزوجة التي تعمل أو ترعى الأطفال وتقضي يومها في الطبخ والتنظيف وشؤون المنزل قد تصل إلى نهاية اليوم منهكة جسديًا وذهنيًا ونفسيًا؛ وكذلك الزوج المكافح له طاقة وحدود وعليه مسؤوليات. لذلك فإن مراعاة كل طرف لظروف الطرف الآخر وتعبه جزءٌ أساسي من المعاشرة بالمعروف والتعامل بالإحسان.
الزواج الناجح، وحسب فهمي، يقوم على كيفية سعي الزوج والزوجة جاهدين في إنجاح حياتهما التي اختاراها سويًا، وأن يبنياها معًا بنجاح وقناعة وتضافر جهود وروح تعاون. وتزداد وتيرة ذلك السعي بينهما مع إنجاب أطفال وتربيتهما لهم.
فالزواج ليس انتقال الشاب من يد امرأة تخدمه وتحمل لقب أم إلى حضن امرأة أخرى تدلعه وتخدمه وتعتني به وتحمل لقب زوجة. والزواج ليس ساحة حرب ومناكفات ومنغصات وجني مكاسب أكبر لطرف ضد طرف آخر. والزواج ليس فناءً خلفيًا يتنافس فيه الزوجان على مَن يتحمل أقل ويجني أكثر. الزواج مسؤولية وشراكة بين بالغين «رجل وامرأة»، يتقاسمان مشقة الحياة كما يتقاسمان راحتها، ويسعيان سويًا لخلق أجواء رائعة بالإمكانات المتاحة.
الأصل في استقرار البيوت: القوامة للزوج، والرعاية للزوجة. قوامة الرجل بالإنفاق والحماية ومواجهة العالم خارج البيت وجلب لقمة الرزق الحلال، ورعاية الزوجة بالتربية والاحتواء والحنان والمشورة والعناية بأفراد الأسرة. ويعتقد الكثير من الناس بأنه إذا اختل هذا الميزان داخل الأسر، انهدم أو تضعضع البيت الأسري بكامله.
الحياة، باختصار، تمر بمراحل عدة، وفيها تضحية وكسب، راحة وتعب، كسب حقوق وأداء واجبات، وأخذ وعطاء. والنضج الحقيقي للإنسان، سواء فتى أو فتاة «رجل أو امرأة»، هو أن يؤدي الإنسان نصيبه منها بكل أمانة وإخلاص ومسؤولية، فالهروب من المسؤولية معول هدم للحياة.
1- مسؤولية الوالدين تتضمن إعداد أبنائهم وبناتهم للحياة بكل جوانبها، ومنها: الاعتماد على النفس، وتحمل المسؤولية، وإدارة المال، والعمل، والتعلم، وفنون اتخاذ القرارات، وحسم القرارات، والعناية بالنفس والمنزل، وضبط السلوكيات والأخلاق، ومهارة التعامل مع الناس.
الزواج والعمل والدراسة، على أهميتها، إلا أنها جزء من هذه الحياة، وليست الحياة كلها.
2- الرجل العاقل لا يبحث عن خادمة له في منزله بعنوان زوجة، ولا يبحث عن موظفة لكي تعينه على مصاريف بيته. بل يكون عنوان بحثه عن زوجة صالحة تعرف أن بيتها هو مملكتها، وأمًا واعية ومتفهمة، وإن كانت موظفة متعلمة فزيادة الخير خيرٌ. وكذلك الفتاة لا يكون معيار اختيارها للرجل قائمًا على معايير تحويله لماكينة صرافة مالية ليحقق أحلام السفر والأكل بالمطاعم والمقاهي؛ بل يجب أن يكون عنوان موافقتها لمن تقدم لها من الرجال أن يكون رجلًا كريمًا شهمًا ذا أخلاق وصاحب عيشة محمودة. الصبر والتحمل والتعاون والتعاضد عنوانٌ مشترك لكلا الطرفين.
فإن خيف على الرجل أو المرأة ضياع دينهما أو فساد أخلاقهما من أي شيء، سواء تصفح مواقع على الإنترنت أو مشاهدة قنوات تلفزيونية ماجنة أو السفر إلى دول ينتشر فيها الفجور أو حضور حفلات معينة أو مصاحبة أشخاص فاسدين … إلخ:
فلا يرى العقلاء فائدة مرجوة من مشاهدة قناة تلفزيونية ماجنة، ولا من السفر لمحطات الفسق، ولا من تصفح تلكم المواقع على الإنترنت المشبوهة، ولا من مصاحبة أولئك الأفراد السيئين؛ وعليه يجب الحجب أو رفض الانضمام أو التدخل لمنع وقوع المحظور حينذاك، حتى لو كان مسوّغه التسلية أو الترويح عن النفس أو الانتداب أو حضور دورة قصيرة. والعكس صحيح.















