لا تروح السعودية
”السياحة في السعودية لا تستحق، والأسعار فلكية جداً،…“ هذا بعض ما نسمعه ونقرأه في وسائل التواصل الاجتماعي من بعض السعوديين؛ وهم أنفسهم من أكثر الشعوب سفرًا ومن أكثرها إنفاقًا على السياحة في الخارج، إذ بلغ حجم الإنفاق على الرحلات السياحية المغادرة إلى الخارج نحو 75.2 مليار ريال في عام 2018 مقابل 48.1 مليار ريال على الرحلات المحلية، وذلك وفقاً للتقارير الصادرة عن البنك المركزي السعودي، وربما يكون ذلك الحكم ناتجًا عن عدم معرفة البعض بما تزخر به المملكة من مقومات وقيمة سياحية أو النظر إليها بعين المُقيم لا بعين السائح.
للمملكة تاريخ عريق ضارب في القدم لآلاف السنين قبل الميلاد، تعاقبت على مدنها دول وحضارات، ولا تزال شواهد وآثار كثيرة منها باقية حتى يومنا هذا، رغم قلة الاهتمام بها في فترات زمنية معينة، ما أدى إلى تضرر بعضها، إلا أن العناية بها وتنميتها ظهرت مؤخراً بعد الرؤية الطموحة للمملكة.
المملكة غنية بتنوع ثقافي هائل فمن العرضة النجدية والدحة الشمالية، والخطوة الجنوبية، ونهامة القطيف واليامال البحرية الشرقية إلى المجرور والمزمار الحجازي كل فن من فنونها يترجم شيئاً من تاريخ وثقافة المكان.
ومن حنيني الرياض، وكليجا القصيم، إلى عريكة عسير، ومن المحموص التاروتي القطيفي إلى المنتو المديني كل مذاق يحكي عن بيئته.
إذ تمتاز المملكة بتنوع كبير في محاصيلها وسلتها الغذائية ومنها على سبيل المثال لا الحصر: زيتون الجوف شمالًا، رمان الطائف والباحة والعسل والبن الخولاني في جبال السروات جنوباً، لوز وليمون وتمر وأرز واحتي القطيف والأحساء شرقًا، نعناع وعجوة المدينة غربًا، وقمح حائل والقصيم والخرج في قلب المملكة.
ناهيك عن تنوع الأزياء التراثية، والعمارة، والزخارف، والنقوش، والخطوط، والفنون، والأدب، والحرف، والألعاب الشعبية، والعادات والتقاليد الاجتماعية، وغيرها التي ينفرد بها كل مكان وتشكل مجتمعة روافد لإرث حضاري ممتد لآلاف السنين.
جاء تنوعها الثقافي والمادي وتنوع تضاريسها ومناخها من امتدادها على مساحة تزيد على مليوني كيلومتر مربع إضافة إلى موقعها الاستراتيجي وتوسطها بين قارات العالم القديم.
وعليه أصبحت غنية بتنوعها السياحي؛ ففي السياحة الدينية هي قبلة المسلمين وبلاد الحرمين، وفي السياحة التاريخية فلمعظم مدنها تاريخ موغل في القدم وآثار عظيمة تستحق الزيارة نذكر منها: مدائن صالح والممالك القديمة في العلا، مغاير شعيب في تبوك، آثار أصحاب الأخدود في نجران، قلعة تاروت والبيوت التراثية في القطيف، مسجد جواثا في الأحساء، منازل حاتم الطائي في حائل، غار قيس بن الملوح وليلى العامرية في توباد الأفلاج، والعديد من المتاحف والقرى والحصون والقلاع التاريخية؛ وبحسب موقع الإدارة العامة للتعليم بتبوك حتى قلعة وادرين موجودة في السعودية! كما تضم مدن المملكة العديد من الأسواق الشعبية، ناهيك عن مدن الترفيه المنافسة عالمياً كالقدية والمواسم والمهرجانات والفعاليات، والسياحة البحرية إذ تمتد المملكة على قرابة 3800 كم من السواحل، ونحو 1285 جزيرة في مياه كل من البحر الأحمر والخليج العربي كأرخبيل جزر فرسان وأملج بمياهها الفيروزية الخلابة وشواطئ حقل الهادئة في البحر الأحمر، وتتميز أراضي المملكة ببيئة ملائمة للسياحة البرية ”السفاري“ والتخييم والمشي في الطبيعة ”الهايكنج“، والسياحة العلاجية لوجود المياه الكبريتية، وغيرها الكثير الكثير مما لا يتسع المجال لذكره هنا.
ويعزز ذلك اعتدال الجو طوال العام في أغلب مدن جنوب المملكة خاصة في ذروة الصيف إذ تنخفض درجات الحرارة في أغسطس إلى نحو 15 درجة مئوية، واعتداله في فصل الشتاء في معظم مناطق المملكة ما يتيح للسائح اختيار الوقت والمكان المناسب لزيارة المملكة طوال العام.
وهنا أحدثكم من واقع تجربة حيث زرت جميع دول الخليج والعديد من الدول العربية والأوروبية والأفريقية والآسيوية، ومعظم مناطق ومدن المملكة، ووجدت أن مدننا السعودية لا تقل جمالًا وأهمية وتاريخًا وترفيهًا عما نراه في الخارج، ناهيك عن أن كرم وأخلاق الخليجيين عامة والسعوديين خاصة ومستوى الأمن والأمان والنظافة من مزايا المملكة التي لا يمكن الحصول عليها في كل مكان خارجها.
ومع ظهور نجم سهيل أكتب لكم هذه الكلمات من مقهى سهيل في بلجرشي التابعة لمنطقة الباحة جنوب المملكة العربية السعودية ودرجة الحرارة الآن 24 درجة صيفًا، وزاد الجو لطفًا سماع أبيات الأمير الشاعر خالد الفيصل:
كلما نسنس من الغربي هبوب
حمل النسمة سلام
وإن لمحت سهيل في عرض الجنوب
عانق رموز الغرام
ومع نسمات الجنوب أبث أملي بتغير الصورة النمطية لدى بعض سكان المملكة عن السياحة الداخلية، والنظر إليها بعين السائح لا بعين المُقيم.
وإن لم يعجبك مقالي لا سمح الله روح ”قلعة وادرين“ ولا تروح السعودية.














