آخر تحديث: 5 / 9 / 2026م - 12:37 م

الإنسان بين رسالة الوجود وأثر الحياة

أحمد منصور الخرمدي *

خلق الله الإنسان وجعله يعيش في هذا الكون، وأعطاه القوة والمال والجاه، وفتح أمامه بحرًا واسعًا من العلم والمعرفة لا يستطيع أن يحيط بكل أمواجه، مهما بلغ من التقدم والإبداع. ومع اتساع ما يملكه الإنسان من قدرات ومعارف، يبقى السؤال الأهم: ماذا فعل في حياته؟ وماذا قدّم لها؟ وما الذكر والعمل والأثر الذي سيتركه بعد رحيله؟

إن قيمة الإنسان لا تقاس بما يمتلكه وحده، وإنما بما يصنعه بما أُتيح له، وبقدرته على عمارة الأرض، والتعايش مع الآخرين، وترك أثر صالح للأجيال من بعده. وقد جعل الله سبحانه وتعالى في هذا الكون الفسيح آيات عظيمة تدعو الإنسان إلى التأمل والتفكر في بديع صنعه، قال تعالى: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [العنكبوت: 20].

ومن هذا المنطلق، يفتح التأمل أمام الإنسان أبوابًا لفهم موقعه في الحياة ومسؤوليته فيها. فإذا نظرنا في حياة البشر، على سبيل المثال لا الحصر، وجدناها سلسلة متعاقبة من الأجيال والأمم والحضارات؛ أجيال تأتي وأخرى ترحل، ويبقى أثر السابقين شاهدًا تستفيد منه الأجيال اللاحقة في حاضرها، وتبني عليه رؤيتها للمستقبل. قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ [الملك: 15].

وعندما نتأمل قصة البشرية وتعاقب أجيالها، نجد أن أصل الإنسان واحد، وإن تعددت الأوطان واختلفت اللغات والألوان والثقافات. وبحسب ما يقرره القرآن الكريم، بدأت البشرية من أبينا آدم وأمنا حواء عليهما السلام، ومن ذريتهما انتشر البشر في الأرض، وتعددت الشعوب والقبائل والأمم.

وهذا الأصل الواحد يضع أمام الإنسان مسؤولية تتجاوز حدود الاختلاف؛ فوجود الشعوب والقبائل وتنوع الثقافات لا ينبغي أن يكون سببًا للصراع، بل مجالًا للتعارف والتعاون والتكامل. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ [الحجرات: 13].

ومن هذه الآية تتجلى قيمة إنسانية مهمة: أن الاختلاف بين البشر لا يلغي وحدة أصلهم، ولا ينبغي أن يتحول إلى ذريعة للتناحر والاقتتال. فالاختلاف يمكن أن يكون مصدرًا للتعارف والتعاون، وأن يدفع الإنسان إلى احترام أخيه الإنسان، والعمل معه من أجل حياة أفضل.

وهنا تتجسد مسؤولية الإنسان في أن يكون وجوده إضافة إلى الحياة لا عبئًا عليها؛ يعمر الأرض، وينتفع بخيراتها دون إفساد، وينقل إلى الأجيال القادمة ما استطاع من العلم والخبرة والعمل الصالح، ويترك لهم أرضًا عامرة وسيرة حسنة وأثرًا نافعًا.

سبحان الخالق عز وجل، لم يترك الإنسان بلا هداية، بل بعث الرسل والأنبياء لهدايته إلى معرفة الله وعبادته وطاعته، وأودع فيه العقل، وفتح أمامه أبواب المعرفة والتفكر. ومن اجتماع الهداية والعقل والعمل تتضح مسؤولية الإنسان عن اختياراته وعن الأثر الذي يتركه في هذه الحياة.

ولعل السؤال الذي بدأ به التأمل هو الأجدر بأن يبقى معنا في نهايته: عندما تنتهي رحلة الإنسان، ماذا سيبقى منه؟ فالمال والجاه والقوة تزول، أما العمل النافع والسيرة الحسنة والأثر الصالح، فهي ما يستطيع الإنسان أن يتركه شاهدًا على أنه مرّ بهذه الأرض فعمّر ولم يهدم، وجمع ولم يفرّق، وترك لمن بعده حياةً أفضل مما استطاع.