آخر تحديث: 5 / 9 / 2026م - 12:37 م

الأمية الجديدة

ياسين آل خليل

من البداهة بمكان أن لا نكون في مقام من يسأل إذا كان الذكاء الاصطناعي سيغير حياتنا، لأن التغيير قد بدأ بالفعل. الأجدر بنا أن نتساءل إذا كنا نحن سنتغير بالسرعة والوعي الكافيين لنكون شركاء في صناعة العالم الجديد، أم نستيقظ ذات يوم لنكتشف أننا أصبحنا غرباء في العالم الذي نعيش فيه؟ الذكاء الاصطناعي لا يدخل حياتنا كتطبيق جديد نضيفه إلى هواتفنا، وإنما كقوة تعيد تشكيل العمل والتعليم والطب والإدارة والإعلام والاقتصاد، وحتى الطريقة التي نفكر بها ونتخذ بها قراراتنا. ما نشهده اليوم قد لا يكون سوى البدايات الأولى لتحول أعمق سيجعل السنوات المقبلة مختلفة جذريا عما اعتدناه.

لعل الخطأ الأول الذي ينبغي التخلص منه هو اختزال القضية فيما إذا سيستولي الذكاء الاصطناعي على وظائفنا. القضية أكبر من ذلك بكثير. دعني أخبرك كيف.. بعض المهن ستتراجع، وأخرى ستتغير، ومهن جديدة ستولد، لكن التحول الأخطر سيقع داخل المهنة نفسها. الطبيب والمهندس والمعلم والمحاسب والمحامي والإداري والتاجر لن يختفوا بالضرورة، لكن طريقة عملهم ستتغير. من يعرف كيف يوظف الذكاء الاصطناعي سيستطيع أن ينجز في ساعات ما كان يحتاج إلى أيام، وأن يصل إلى معلومات وتحليلات كانت تتطلب فريقا كاملا للقيام بها. لهذا قد لا تكون المنافسة في المستقبل بين الإنسان والآلة بقدر ما ستكون بين إنسان يعرف كيف يعمل مع الآلة، وآخر لا يعرف. تشير تقديرات المنتدى الاقتصادي العالمي إلى أن التحولات الكبرى قد تخلق نحو 170 مليون وظيفة جديدة حتى عام 2030، مقابل إزاحة نحو 92 مليونا، بما يعني أن المسألة ليست اختفاء الوظيفة، بل إعادة تشكيلها.

هنا يظهر أمامنا شكل جديد من الأمية. كانت الأمية يوما ما هي العجز عن القراءة والكتابة، ثم أصبحت تشمل العجز عن التعامل مع الحاسوب والإنترنت. أما أمية المرحلة القادمة فهي بشفافية أن تستطيع القراءة والكتابة وتحمل شهادة جامعية، ومع ذلك لا تعرف كيف تتعامل مع الذكاء الاصطناعي، ولا كيف تسأله، ولا كيف تتحقق مما يقدمه، ولا متى تستخدمه ومتى ترفض الاعتماد عليه. هذه الأمية فيما يبدو أشد تعقيدا، لأنها قد تختبئ خلف شهادة أكاديمية وخبرة طويلة. ليس المطلوب أن يصبح الجميع مبرمجين، كما لم يكن انتشار السيارات يعني أن يصبح الجميع مهندسي محركات، وإنما أن يمتلك الإنسان الفهم الكافي الذي يسمح له باستخدام التقنية بدلا من أن تتحكم التقنية في خياراته.

الوجه الآخر للمشكلة أكثر دقة. الذكاء الاصطناعي الذي يستطيع أن يخطط ويلخص ويبحث ويقترح ويحلل، قد يدفعنا تدريجيا إلى التنازل عن بعض قدراتنا العقلية مقابل الراحة. هنا ينبغي أن نفرق بين استخدام التقنية لتوسيع العقل، أو بديلا عنه. الطالب الذي يستعين بها لفهم مسألة ثم يحاول حلها قد يصبح أقوى، أما الذي يطلب منها الحل كي يتخلص من التفكير فقد يحصل على الإجابة وربما الدرجة الأعلى لكنه دون وعي يخسر شيئا من قدرته. بنفس التقارب، الموظف الذي يجعلها شريكا في التحليل يختلف عن الموظف الذي يسلمها قراره. بعيدا عن العاطفة، كيف لنا أن نستفيد من هذا العقل الصناعي الهائل دون أن نسمح له بإضعاف عقلنا الإنساني الذي أكرمنا به الخالق..؟

المسؤولية تبدأ بالأسرة قبل المدرسة، لذلك علينا توجيه أطفالنا حول طبيعة محتوى الاستخدام، وما يمكنهم اكتسابه من هذه التقنية، والقدرة المعرفية للتمييز بين الحقائق وما تعرضه الخوارزميات. أبناءنا سيعيشون مع الذكاء الاصطناعي كما عشنا نحن مع الكهرباء والهاتف، من هنا فإن منعهم منه بالكامل ليس إعدادا للمستقبل، وتركهم له بلا توجيه ليس تربية. المطلوب هو بناء ثقافة أسرية جديدة تعلم الطفل أن الذكاء الاصطناعي مساعد لا مدير، وأن سهولة الحصول على الإجابة لا تلغي قيمة المعرفة، وأن عليه التحقق من المعلومات، والاحتفاظ بقدرته على القراءة والكتابة والحساب والتحليل والحوار دون مساعدة الآلة.

التخطيط للمستقبل لا يعني أن نتحول إلى مجتمع مأخوذ بالتقنية حتى يفقد بوصلته. فكلما أصبحت الآلة أكثر قدرة، بات علينا أن نؤنسن حياتنا أكثر: فالرحمة، والضمير، والمسؤولية، والحكمة، ووالعلاقات الإنسانية، والقيم، جميعها صارت تحدد لماذا نفعل الأشياء لا كيف نفعلها فقط. الذكاء الاصطناعي يستطيع أن يقترح ألف وسيلة للوصول إلى هدف، لكنه لا ينبغي أن يكون هو الذي يقرر لنا أي الأهداف تستحق أن نسعى إليها. لهذا فإن أخطر خسارة محتملة ليست أن تنتزع الآلة بعض أعمالنا، وإنما أن نسلم إليها بالتدريج مسؤولية التفكير والاختيار، ثم نكتشف أننا أصبحنا أكثر كفاءة في الإنجاز وأقل قدرة على تحديد معنى ما ننجزه.

نحتاج، كأفراد وأسر ومؤسسات، إلى الانتقال من مرحلة الانبهار بالذكاء الاصطناعي إلى مرحلة بناء استراتيجية للتعايش معه. استراتيجية تبدأ بمحو الأمية الجديدة، ثم التعلم المستمر، وإعادة تأهيل المهارات، وتربية الأبناء على الاستخدام الواعي، وإعادة النظر في التعليم وسوق العمل، والاستثمار في القدرات الوطنية، ووضع حدود أخلاقية واضحة لما ينبغي أن تفعله الآلة وما ينبغي أن يبقى في يد الإنسان. التحولات الكبرى في التاريخ لا تنتظر المترددين حتى يستعدوا لها، إنها تمضي، ثم تترك المجتمعات أمام خيارين: إما أن تقرأ اتجاه الريح وتعدل أشرعتها، أو أن تكتشف بعد فوات الأوان أن العالم قد تحرك بينما بقيت هي في مكانها.

أرباب الأسر اليوم أمام كم هائل من الأسئلة التي تجعلهم في حيرة من أمرهم ومن تلك الأسئلة.. ياترى ماذا سيفعل الذكاء الاصطناعي بأبنائنا، وماذا عساهم فاعلين في ذلك العصر؟ المستقبل لن يكون بالضرورة لمن يمتلك أذكى آلة، وإنما لمن يمتلك قدرة أكبر على استخدامها دون أن يفقد استقلال عقله وفي عالم تتضاعف فيه القدرات أسرع من الحكمة. السؤال الأهم الذي يحتاج إلى إجابة: هل سيصبح الذكاء الاصطناعي موجة نخشى أن تجرفنا، أم أنه سيكون قوة علينا أن نتعلم كيف نوجهها نحو مستقبل نشارك نحن جميعا في اختياره وصناعته.