آخر تحديث: 5 / 9 / 2026م - 12:00 م

أبناؤنا والالتزام المدرسي

جهاد هاشم الهاشم

يعد التغيب عن حضور المدرسة والتأخر الصباحي لدى البعض ظاهرة لا يتفق معها العقلاء مطلقًا، وتجر صاحبها - مع أسفنا الشديد - إلى عواقب وخيمة لا ريب، وتُعد هذه المشكلة من المشكلات الشائكة والآخذة بالانتشار بشكل ليس بالقليل؛ وستؤدي حتمًا في نهاية الأمر إلى نتائج غير محمودة، وهذا بطبيعة الحال سلوك لا يعود بالنفع على العملية التربوية والتعليمية برمتها داخل بلادنا العزيزة؛ مما ينتج عنه تدنٍ عام لمخرجات الجودة المعرفية، ناهيك عن مستوى التحصيل الدراسي والمعلوماتي لأبنائنا الطلبة ذكورًا وإناثًا إن لم نتخذ جميعًا موقفًا من تلك المعضلة الحقيقية والجلية للعيان.

ومن هذا المنطلق يأتي سؤال ملح في ذلك المضمار، وهو مَن المسؤول عن تلك الظاهرة اللافتة للأنظار؟ نعم، هي حقيقة، بل باتت ثقافة خاطئة، ونحن كآباء وأمهات المسؤولون عن إيجادها وصناعتها لا شك، وساهمنا في ترسيخها في عقول صغارنا حتى تغلغلت في صميم أفكارنا وداخل بيوتنا وأعماق نفوسنا، حتى باتت كأنها ميزة نتمتع بها، بل ذهب البعض بعيدًا بالاعتقاد أن هذا حق مكتسب مُسلَّم به لا يصح لأحد مناقشته أو المجادلة فيه.

أعزائي الآباء، أخواتي الفضليات، باعتبارنا شركاء في بناء الوطن، دعونا ننظر إلى هذا الأمر الذي هو غاية في الأهمية نظرة شاملة واسعة بعيدة كل البعد عن العواطف وما يتبعها من أفكار لا نجني من خلالها في نهاية المطاف إلا خسارة وخذلانًا تجاه تلك الأمانة التي أودعها الله جل شأنه بأيدينا، ونحن، لا ريب، محاسبون أمامه تبارك سلطانه عن تلك الوديعة؛ لذلك يتوجب علينا مناقشة ذلك الأمر بهدوء ورؤية واضحة وأفق واسع ملؤه الفطنة والبصيرة، لنكون على درجة عالية من الموضوعية، وأن نتجرد من كل ما من شأنه عرقلة ذلك المطلب المهم.

أيها المحترمون، باعتباري أبًا ينتمي إلى هذا البلد المقدس، كما أتشرف بوظيفتي كمعلم، يسعدني أن أُسخر طاقتي لخدمة بلدي وأبنائي الطلبة بمعية كل زملاء المهنة الموقرين الأوفياء الذين يخدمون بلادنا بجغرافيتها الكبيرة المتسعة بكل تفانٍ وود وإخلاص؛ لذلك أقول أصالة عن نفسي ونيابة عن جميع العاملين بالحقل التربوي: من الواجب أن نخاطب الأحبة أولياء الأمور الكرام بأننا منكم ومعكم جنبًا إلى جنب، جنود مجندون لتقديم ما يلزم للدفع بمملكتنا نحو الارتقاء والوصول بها إلى ذروة ما نطمح إليه من مجد واقتدار.

لذا يصبح لزامًا علينا عدم التفريط في الوقت وإضاعته، الذي هو محدود بطبيعة الحال، فنحن أمام منهج موزع بطريقة متقنة تحت إشراف رجالات وزارة التعليم الذين يتمتعون بخبرات فائقة ودراسات عالية ومستوى متقدم من التجارب العلمية والعملية التي ينتج عنها ترجمة حقيقية وفاعلة على أرض الميدان التربوي داخل فناء المدرسة، إذ لا يمكن إدراك ذلك الوقت المخصص لإنهاء ما حوته تلك الكتب الدراسية من معارف وعلوم إذا لم نلتزم ونحافظ على تلك الفترة الزمنية المحددة.

لهذا نؤكد أنه من غير المنطقي أو المعقول أن نكون نحن من يساهم بشكل أساسي في إهدار ذلك الوقت بحجج واهية غير مبررة في كثير من الأحيان، وخلق أعذار لا تمت للمنطق بصلة، ناهيك عن إيجاد مبررات ضعيفة إزاء الاستئذان المستمر الذي اعتاد عليه البعض بصورة متكررة، وهذا بطبيعة الأمر يؤدي إلى فقدان الأبناء معلوماتٍ ومهاراتٍ كثيرةً لن نستطيع تداركها مستقبلًا، مما ينتج عنه هبوط حاد في المستوى الأكاديمي نهاية كل عام؛ وبالتالي سنقع في مأزق حقيقي، وخصوصًا في المرحلة الجامعية، والوصول عندها إلى منعطف خطير لا يحبذه أحد، ولن تُحمد عقباه؛ إذ قد ينتهي بذلك الفتى بعدم القدرة على الاستمرار في دراسته، ولك أن تتخيل أخي ولي الأمر صعوبة هذه الفرضية إن تحققت لا سمح الله، فسيكون أبناؤنا قد وقعوا في متاهة مظلمة يصعب مغادرتها والخروج منها.

من هنا نقول بضرورة مراجعة ذواتنا فيما يتعلق بهذا الطرح، فصغارنا هم أعز ما نملك، واليوم، استثماراتنا الحقيقية في أشخاصهم من خلال دعمهم وتشجيعهم ورعايتهم والعناية بهم وتأهيلهم، من خلال تذليل الصعاب التي قد تعترض طريقهم والدفع بهم قدمًا، لتمكينهم من تلقي التعليم بما يكفي بشتى صنوفه، ليكونوا عونًا وسندًا لأنفسهم وأسرهم وللبلاد والعباد، فالأوطان تنمو وترتقي فقط بسواعد أجيالنا فتيةً وفتياتً، فكلما أنتجنا شبابًا متعلمًا مؤهلًا مثقفًا مبدعًا وصلنا لمستويات ذات جودة فائقة متينة لجميع المسارات المختلفة؛ لنصل بعدها إلى ما هو منشود لوطن أكثر عزة وازدهارًا، لنتبوأ مكانة محترمة بين سائر الأمم، ويُنظَر إلينا بشموخ يعانق السماء.

نسأل الله جل في علاه أن يوفق الأبناء لما يحب ويرضى، وأن يأخذ بأيديهم إلى طريق الهداية والصلاح، وأن يسدد خطاهم ويمدهم بعونه وتوفيقه. اللهم، كن لهم خير معين، واحفظهم يا خير الحافظين، إنك ولي ذلك والقادر عليه، يا أكرم الأكرمين.