دخان وراء بيوت العشيش «3»
واصل الأب الكبوس سيره. كانت الأفكار تنهال عليه من كل جانب تسأله عن أولوياته: ابنته وزوجته، ووالديه، وجميع أفراد أسرته، إخواته وأبنائهم. حيث كانت الأسر كبيرة في بيوت صغيرة قليلة الغرف، كثيرة الأفراد، الأزواج وزوجاتهم مع أبنائهم في غرف ضيقة. يتساءل في داخله عن مصيرهم جميعاً، وخصوصاً في يوم الجمعة، حيث يكتمل شمل العوائل.
لم يلبث في التفكير طويلاً، واعتبر ذلك من العبث، بل هي هواجس ووساوس تقتحم الإنسان في أحرج مواقفه. تلك الهواجس لم تكن لها السيطرة على نفسه، بل يقارعها بالعمل.
الدخان بدأ يملأ الأزقة والسوابيط دون أن يدع مجالاً للرؤية. الناس تتدفق بأعداد كبيرة، الكل يحث الآخر لشد الهمة.
قال أحدهم: هذه أم المصائب ونحن لها. قال آخر: نحن رجالها.
شاهد الكبوس أن جميع أبواب المنازل كانت مفتوحة، والنساء يقدمن أواني الطبخ، من قدور وسطول وجرادل الماء، وكل ما تجود به منازلهم لاستخدامها في إطفاء الحريق.
كانت «السيدة، معلمة الأطفال» كبيرة المعلمات، عندما شاهدت الكبوس قادماً مع أبنائه قالت له: يا حسن - اسمه الأول - الرجال تسأل عنك عند عين الوارش، وأنت كأنك «مهو داري!»
أجابها بدون تردد: أعرف يا معلمتي الفاضلة بحريق كبير في بيت صيكة وسبيكة وكم عشة، سأوصل الأولاد إلى البيت وسأتوجه إلى الحريق مباشرة.
- الحريق كبير يا حسن، وليس محصوراً في البيتين اللذين ذكرتهما. الحريق في عشيش «بدو بني مرة» والصنادق الخشبية المجاورة. أسرع، الحريق يلتهم كل العشش، أكثر من ثلاثين بيتاً التهمتها نيران غضب الله، ووصل الحريق إلى قريب الدروازة الشرقية.
لم تكمل «السيدة» كلامها، قال لها: ادعي لي، لم أكن أعرف أن الوضع بهذا السوء. وأخذ يجري.
أولاده من خلفه، قال لعلي: انتبه إلى أخوك قاسم. شق الكبوس الطريق، الناس تتدافع إلى الخلف. لاحظ النيران تقترب من المدخل، صاح بالنساء وأصحاب البيوت بإخلائها حالاً.
خرجت النساء والأطفال مذعورات. قال لهم: الهروب إلى ناحية الجنوب، اذهبوا إلى بستان «الدالية» بسرعة.
رجع مسرعاً، حاول العثور على أولاده، لم يستطع رؤيتهم بين الجموع الغفيرة. كانت اندفاعة النساء وأطفالهم وعجائز الحي شديدة، كل أخذ ما يمكن حمله. النساء بأطفالهم الرضع، البعض حمل أقفاص الدجاج، وكل ما يمكن حمله. البعض يتصايح من شدة الهلع وكثافة الأدخنة، حتى الرؤية بدت معتمة، أصبحت البيوت القريبة من الحريق مهجورة.
صعد الكبوس أحد البيوت، قفز إلى سطح المنزل، شاهد لهيب النيران تندلع في كل الجهات، تمد ألسنتها الطويلة صوب عنان السماء، سمع صوت أنهيار بعض الأسقف، وتساقط الحيطان وتهوي كأنها تغرق في بحور من النيران الحمراء.
رائحة الشواء النفاذة تنبعث من تحت لهيب النار، هل هي شواء لحم مواشي أم هي روائح لحم بشر، لا يعلم. الرائحة كانت تثقل الصدر وتخنق الأنف، رائحة شعر محترق وجلد يفور.
انتقل بسرعة ورشاقة فائقة إلى المنازل المجاورة عبر أسطحها المتصلة. النيران تتواصل، كان يطلب من أهل البيوت التي لا زال بها أصحابها بسرعة إخلائها.
وصل أخيراً وبكل سرعة إلى جهة الرجال الذين يواصلون مساعيهم دون جدوى لإخماد الحريق. كانت المياه التي تأتي من عين الوارش بقسميها الرجالي والنسائي لا تكفي الحاجة. في تلك اللحظات، وقد مسك بزمام الأمور، طلب من الشباب المساعدين له مطرقة كبيرة، أو أية آلة ثقيلة.
وعندما حصل عليها بعد جهد جهيد، هرع إلى بئر الخان، وبضربات مجنونة هوى بالمطرقة على أحد فروع المواسير ففجرها.
انفجر الماء كأنه حبيس منذ مئة عام، ارتفع عمود الماء وخريره يجل، فكان صوته وحده نفير حماس للسواعد.
في تلك اللحظة، ومضت في ذاكرة الكبوس صورة جده لأمه، النوخذة عبد الله، وهو يساهم في حفر تلك الآبار بيديه.
تنهد الكبوس بعمق، وهو يرى السواعد القوية تتشابك، تتلاقف كل أنواع الأواني، تملأها من المياه الفوارة التي أخذت تتدفق غزيرة، كأن الأرض نفسها قررت أن تقاتل معهم.
رتب الشباب في طوابير عرضية، الكل يناول الأواني المليئة بالمياه، وتنتقل بسرعة من شخص إلى آخر لإخماد جيوب الحرائق التي أصبحت قريبة من المساكن. أرشدهم في البداية إلى محاصرة النيران المتوجهة إلى المساكن، وبالخصوص مسجد «الدبيس».
حتى تلك الساعة، أتت النيران على جميع بيوت العشيش، وامتد لهيبها إلى البيوت المجاورة من كل الجهات الأربع. لقد استدعوا سيارة الإطفاء الوحيدة في القطيف، وكان سعة خزانها لا تكفي لإطفاء جانب صغير من الحريق.
كانت تلك السيارة تحتاج بعد أن يفرغ خزانها إلى العودة لمكان التعبئة والعودة مرة أخرى، لذلك أبعدوها للعمل في جوانب فرعية، بينما واصل الأهالي بجهودهم الدؤوبة المساهمة في السيطرة على حرائق الأطراف.
من جهة أخرى، شكل الكبوس فرقة من الشباب، مهمتها كسر جميع الآبار القريبة، وتشكيل طوابير عمل، وكان ينتقل من فرقة إلى أخرى، هنا يعطي إرشاداته، وأخرى يحث الشباب إلى الإسراع. كان يقول: إما أن ننتصر ضد هذه النيران اللعينة أو سنضيع.
اقتربت الساعة الثالثة عصراً، هاجمت النيران المنازل القريبة، واقتربت من منزلهم. ذهب ليطمئن على زوجته وابنته ووالديه، أسرع الخطى. كانت النيران قد بدأت تأكل مدخل المنزل.
صاح بأعلى صوته: أماه هل أنت بالداخل، أم علي هل أنت هناك؟
لا جواب. النيران أخذت تتسلق النوافذ تبحث عن خشب النوافذ السفلية والعلوية، أصبح من المحال الدخول إلى المنزل من الباب الرئيسي.
رجع إلى الخلف، كان باب بيت جيرانهم الخلفي مفتوحاً على مصراعيه. استأذن إن كان في البيت أحد، كان واضحاً أن جميع أهل البيت قد هربوا. قفز إلى الدور الثاني بسرعة رهيبة، كان وجهه مليئاً بسواد الدخان. قفز إلى سطح منزلهم فرأى زوجته وابنته ترتعشان من شدة الخوف، تحاولان الاحتماء بسور
شفتاهما ترتجفان وعيناهما مخطوفتان، الصفرة تعلو وجوههن، كأنهما جثتان تتنفسان.
سألهما عن أمه، فقالت له زوجته بأنهما حاولتا بكل ما أوتيا من قوة سحبها إلى الأعلى إلا إنهما لم تفلحا في ذلك، فقد أصابها خذلان في قدميها.
- أسرع لها يا حسن فهي في دار المربعة. قالتها وهي ترتجف خوفاً وذعراً من هول النيران المتلاطمة من كل صوب.
نقل زوجته المذعورة وابنته الواحدة تلو الأخرى إلى بيت الجيران وأمرهما بالهرب من الباب السفلي إلى أقصى مكان في الخلف.
قالت له: أسرع أنقذ أمك، وحافظ على نفسك، والله يحرسك. كانت تكرر الكلام: والله حاولت حملها ولكن لم أستطع، أما والدك لم يعد إلى البيت منذ أن خرج صباحاً. قالتها والدموع تنهمر من مقلتيها الذابلتين.
- كل الذي عليك الآن يا أم علي أن تنقذي نفسك وابنتنا، وأنا هنا سأتولى الأمر بنفسي... هيا أسرعا.














