آخر تحديث: 5 / 9 / 2026م - 12:14 ص

رأسٌ ممتلئ.. وقرارٌ فارغ!

سراج علي أبو السعود *

قد يكون الإنسان بارعًا في علم من العلوم، يعرف فيه الكثير من المعلومات التي يجهلها غيره، بينما لا يملك آخر إلا قدرًا قليلًا من المعرفة، ثم قد يقف الاثنان أمام موقف واحد، فيحسن قليل العلم التصرف ويسيء ذلك المتخصص البارع. ذلك أن العلم يمنحك المعرفة، أما الحكمة فتمتحن ماذا تفعل بها. أن تكون متفوقًا في علم ما لا يعني بالضرورة أن تكون حكيمًا؛ فالحكمة ليست مخزنًا أكبر للمعلومات، وإنما أن تحسن استعمال ما تعرف، وتدرك متى تتقدم ومتى تتراجع، وأي المعارك تخوض وأيها تترك لأصحابها يتعاركون فيها حتى المساء! فليس كل انتصار مكسبًا، ولا كل هزيمة خسارة، هكذا أحسن الشاعر المبدع تميم البرغوثي كثيرًا وأجاد حين قال: «بعضُ المعاركِ في خسرانِها شرفٌ.. مَن عادَ منتصرًا من مثلِها انهزما».

أظن أنّ المشكلة تكمن احيانًا في أننا نُعجب ببراعة الرجل في تخصصه حتى نكاد نمنحه، من حيث لا نشعر، شهادةً إضافية في الحكمة! يتخصص في علم فيبرع فيه، فلا نلبث أن نستشيره في بقية شؤون الدنيا؛ يسأله طالب عن تخصص جامعي يريد اختياره، ومريض عن طبيب يقصده، وآخر عن امرأة يريد الزواج منها، وربما لو طال المجلس قليلًا سألناه عن العقار والأسهم وحالة الطقس! ولا بأس أن نسأله إن كان يملك علمًا أو تجربة، لكن براعته في تخصصه وحدها لا تجعله خبيرًا في الحياة كلها. وليس في ذلك انتقاص منه؛ فالجهل بما يقع خارج تخصص الإنسان ليس عيبًا، وإنما العيب أن يجهل أين ينتهي علمه. لذلك لا أظن أن الحكمة تزداد كلما ازدادت المعلومات بالضرورة؛ فقد يمتلئ الرأس بالعلم، وتبقى بعض قرارات صاحبه بحاجة إلى رأس آخر!

ربما يصح أي أن أدعي سيدي القارئ أن المشكلة ليست فيمن نستشيرهم وحدهم؛ فنحن شركاء فيها أيضًا. لقد منحنا المتخصص أحيانًا سلطةً لم يطلبها، لمجرد إعجابنا بما يعرف، ثم قد نلومه إذا أخطأ فيما لا يعرف. وربما كان عليه أن يكون أكثر حذرًا منا، فيعرف حدود معرفته قبل أن يمنحنا نصيحته. فليست «لا أدري» نقصًا في علم المرء كما نظن؛ بل قد يكون من تمام حكمته أن يعرف متى يقولها.