آخر تحديث: 5 / 9 / 2026م - 12:14 ص

ليس كل ما تعرفه يُقال

هاشم الصاخن *

قد تكون بعض الأمور أسرارًا، وقد تكون معلومات خاصة، وقد يكون بعضها حديثًا عابرًا جرى بين اثنين أو داخل دائرة محدودة من الناس، ولم يكن المقصود منه أن ينتقل إلى غيرهم. وليس شرطًا أن يكون الكلام سرًا صريحًا حتى يصبح نقله أمرًا غير مناسب؛ فقد تسمع معلومة عن شخص، أو تعرف موقفًا حدث له، أو يصل إليك حديث يتعلق بحياته الخاصة، ثم تجد نفسك أمام سؤال مهم: ما الذي يدعوني إلى نقل هذا الكلام إلى الآخرين؟

فلسنا ملزمين بأن نروي كل ما نعرفه عن الناس، وليس كل حديث صحيح يحق لنا أن نجعله حديث المجالس. بل إن بعض المعلومات قد لا يكون في نقلها أي فائدة، وربما يكون فيها إحراج لصاحبها أو إساءة إليه أو كشف لما كان يفضّل أن يبقى بعيدًا عن الآخرين. ومع ذلك، نجد من يتعامل مع كل ما يسمعه وكأنه مادة قابلة للنقل، لا يسأل نفسه قبل أن يتحدث: هل يحتاج الآخرون فعلًا إلى معرفة هذا الأمر؟ وهل يرضى صاحبه أن يُتداول بينهم؟

وقد اعتاد البعض أن يربط كثرة نقل الأحاديث بالنساء، حتى أصبحت حول ذلك نكات وتعليقات متداولة، بينما الواقع لا يجعل هذه الصفة حكرًا على جنس دون آخر؛ فالرجال أيضًا قد يتناقلون الأخبار والتفاصيل والأحاديث الخاصة في مجالسهم، وربما لا يقلون عن النساء في ذلك. فالمشكلة في حقيقتها ليست رجلًا أو امرأة، بل في سلوك الإنسان حين لا يعرف أين يجب أن يتوقف الكلام.

وأول من يتأثر بهذا السلوك هو المتحدث نفسه؛ فالإنسان الذي يعتاد نقل كل ما يسمعه أو يعرفه قد يفقد مع الوقت ثقة من حوله. فالناس حين يدركون أن ما يقال أمامه يمكن أن ينتقل بسهولة إلى غيرهم، سيصبحون أكثر حذرًا في الحديث معه، وربما يتجنبون مشاركته بعض أمورهم، حتى وإن لم تكن أسرارًا. وهنا يخسر الإنسان شيئًا مهمًا في علاقاته، وهو أن يكون موضعًا للثقة والاطمئنان.

أما الشخص الذي يدور الحديث عنه، فقد يكون هو الطرف الأكثر تضررًا، خصوصًا إذا كانت المعلومة تتعلق بأمر خاص، أو موقف محرج، أو مشكلة يمر بها، أو حتى خطأ لم يكن يرغب في أن يصبح حديثًا بين الناس. وقد تصل إليه المعلومة بعد أن دارت في المجالس، فيشعر أن خصوصيته أصبحت مباحة، وربما تتأثر علاقته بمن نقل الحديث أو بمن كان حاضرًا عند بدايته. والأسوأ من ذلك أن الكلام حين ينتقل من شخص إلى آخر قد لا يبقى كما قيل أول مرة؛ فقد يضاف إليه شيء أو يحذف منه شيء، حتى تتغير صورته ومعناه.

ولا يتوقف الأثر عند هذين الطرفين، بل يمتد إلى المحيطين بهما. فالمجالس التي يكثر فيها نقل أخبار الناس وتفاصيل حياتهم تتحول شيئًا فشيئًا إلى بيئة يفقد فيها الجميع شعورهم بالأمان. كل شخص يخشى أن يكون غدًا هو موضوع الحديث، وكل كلمة قد تُحسب عليه، وكل موقف قد يجد طريقه إلى مجلس آخر. وهكذا تضعف الثقة بين الناس، وتكثر التأويلات وسوء الفهم، وربما تنشأ خلافات كان من الممكن ألا توجد أصلًا لو بقي بعض الكلام في مكانه.

وتظهر هذه السلوكيات في تفاصيل يومية قد تبدو بسيطة، لكنها تكشف مقدار حاجتنا إلى التمييز بين ما نعرفه وما ينبغي أن نقوله. فقد يخبرك شخص بأنه يفكر في تغيير عمله، أو شراء منزل، أو بيع عقار، ثم يجد أن الخبر قد سبقه إلى الآخرين قبل أن يتخذ قراره أصلًا. وربما لم يطلب منك أن تحفظه سرًا، لكنه أيضًا لم يمنحك حق إعلانه. وكذلك الحال عندما نعرف مقدار راتب شخص، أو قيمة صفقة قام بها، أو ثمن سيارة اشتراها؛ فما الفائدة من أن يعرف الجميع هذه التفاصيل؟ وما الحاجة إلى أن تتحول أمور الناس الخاصة إلى معلومات متداولة لمجرد أننا عرفناها؟

وقد يكون الأمر أشد حساسية حين يتعلق بالجانب المالي أو العائلي؛ فربما نعرف أن شخصًا عليه التزام مالي، أو أنه تأخر في سداد مبلغ، فننقل ذلك إلى غيرنا وكأنه خبر عادي، مع أن هذه المعلومة قد تضعه في موقف محرج أو ترسم عنه صورة لا تعكس حقيقة ظروفه. وقد يحدث خلاف بسيط بين إنسان وزوجته، أو بينه وبين أحد أبنائه أو إخوته، فيتحدث عنه في لحظة ضيق أو فضفضة، ثم يفاجأ بأن ما قاله أصبح معروفًا عند آخرين، وربما بعد أن تكون المشكلة نفسها قد انتهت. وهنا يتضح أن القضية ليست دائمًا في كون المعلومة سرًا أو غير سر، بل في وجود حاجة أو مصلحة حقيقية لنقلها أصلًا.

لهذا يحتاج الإنسان قبل أن ينقل ما سمعه إلى لحظة قصيرة يراجع فيها نفسه: لماذا أريد أن أقول هذا؟ وما الفائدة من نقله؟ وهل يرضى صاحبه أن يعرف الآخرون عنه هذا الأمر؟ وهل سيترتب على حديثي خير أم ضرر؟ فالصمت في بعض المواضع ليس نقصًا في الحديث، بل حكمة وحفظ لحقوق الآخرين. وليس مطلوبًا من الإنسان أن يكون مخزنًا لأخبار الناس أو ناقلًا لكل ما يصل إليه؛ فبعض ما نعرفه أمانة، وبعضه خصوصية، وبعضه الآخر حديث عابر كان الأولى أن ينتهي في المكان الذي بدأ فيه.

وحين يعتاد الإنسان هذا التريث، فإنه يكسب ثقة من حوله، ويصبح حضوره في المجالس مصدر أمان لا مصدر قلق، ويعرف الناس أن ما يقولونه أمامه لا يتحول إلى حديث يتنقل بينهم. كما أن حفظ الكلام يحمي العلاقات من سوء الفهم، ويقلل من الخلافات، ويمنح كل إنسان مساحة من الخصوصية والطمأنينة التي يحتاجها في حياته.

وفي النهاية، نحن لا نتحدث هنا عن الأسرار الواضحة التي يعرف الجميع أن الواجب حفظها وألا تُنقل إلى الآخرين، وإنما عن تلك الأمور الشخصية التي يخبرك بها إنسان وهو مطمئن إليك، وقد لا يطلب منك صراحة أن تكتمها، لأنه يعتقد أن خصوصيتها وحدها كافية لأن تبقى عندك. ثم يفاجأ بعد ذلك بأن ما قاله لك قد أصبح معروفًا عند غيرك، وربما تحول إلى حديث يتناقله أكثر من شخص.

وهنا تكون المشكلة أعمق من مجرد نقل معلومة؛ لأنها تمس الثقة التي منحك إياها ذلك الإنسان. فليس كل من حدثك عن شأن يخصه قد أذن لك أن تتحدث به، وليس عدم قوله: «هذا سر» مبررًا لنشره. وبعض الكلام لا يحتاج إلى وصية حتى نحفظه، بل يحتاج فقط إلى أن ندرك أنه ليس كل ما نعرفه عن الآخرين يحق لنا أن نقوله.

سيهات