آخر تحديث: 4 / 9 / 2026م - 12:56 ص

حين يفكر العقل بلسانين

فوزي آل غريب *

ليس العقل رجلًا حينًا وامرأةً حينًا آخر، وليس للقلب جنسٌ حين يخفق، ولا للحزن هويةٌ حين يستقر في الروح. لكن الإنسان، منذ أن بدأ يراقب نفسه ويحاول أن يفهم الآخر، اكتشف أن بين الرجل والمرأة مساحاتٍ خفية في طريقة النظر إلى الأشياء، وتفسير الصمت، وقراءة التفاصيل، واتخاذ القرار. مساحات لا تصلح لأن تكون قوانين ثابتة، لكنها تصلح لأن تفتح بابًا واسعًا للأسئلة.

ولعل أعقد ما في العلاقة بين الرجل والمرأة أن كُلًّا منهما يظن أحيانًا أنه يتحدث بلغة واضحة، بينما يسمع الآخر لغةً مختلفة تمامًا.

فالرجل، في كثير من المواقف، قد يميل إلى النظر إلى المشكلة بوصفها شيئًا ينبغي إصلاحه. يقترب منها بعقل من يرى دخانًا، فيبحث عن مصدر النار ليطفئها، بينما قد تنشغل المرأة بسؤال مختلف: ما الذي أشعلها أصلًا؟

فإذا جاءت تحمل إليه همًّا أو شكوى، فقد يبدأ مباشرةً في البحث عن الحل، بينما ربما لم تكن تبحث عن حل بقدر ما كانت تحتاج إلى أذن تسمع، وإلى قلب يقول لها: ”أفهم لماذا يؤلمك هذا“.

هو يظن أنه يساعدها، وهي قد تشعر بأنه لم يفهمها؛ لا لأنه لا يهتم، بل لأنه ترجم اهتمامه إلى لغة مختلفة.

والمرأة، في كثير من الأحيان، قد لا تتعامل مع الحدث منفصلًا عن سياقه. تتذكر كلمة قيلت في وقت سابق، ونبرة الصوت التي رافقتها، ونظرة عبرت سريعًا ثم اختفت، وربما تربط ذلك بموقف آخر. كأن ذاكرتها العاطفية لا تحفظ بعض الوقائع في أدراج منفصلة، بل تنسج بينها خيوطًا؛ فإذا تحرك خيط صغير، تحرك معه شيء من الصورة كلها.

أما الرجل، فقد ينظر إلى الواقعة بوصفها حدثًا مستقلًا: حدث الأمر، وانتهى الأمر.

وهذه ليست بالضرورة قسوةً منه، كما أنها ليست بالضرورة حساسيةً زائدةً منها؛ إنما قد تكون صورة من صور الاختلاف في الطريقة التي يبني بها كل إنسان معنى ما يحدث حوله.

الرجل قد يسأل: ”ماذا حدث؟“

والمرأة قد تسأل، ولو في داخلها: ”ماذا يعني ما حدث؟“

وبين السؤالين مسافة واسعة.

قد يحب الرجل الوصول إلى نهاية الطريق، بينما تهتم المرأة أحيانًا بما حدث على جانبيه. هو يبحث عن النتيجة، وهي تبحث عن الدلالة. هو يرى الباب، وهي تلتفت إلى اليد التي أغلقته، وإلى الوجه الذي كان خلفه، وإلى الصمت الذي جاء بعد الإغلاق.

ولهذا قد يبدو الرجل أحيانًا مباشرًا أكثر مما ينبغي، بينما تبدو المرأة له معقدةً أكثر مما ينبغي. لكن المباشرة ليست دائمًا وضوحًا، كما أن الانتباه إلى التفاصيل ليس دائمًا تعقيدًا.

هناك رجل يقول: ”أنا بخير“، ويقصد أنه لا يريد الحديث.

وهناك امرأة تقول: ”لا شيء“، وقد يكون وراء هذه الكلمة أشياء كثيرة.

وربما هنا تكمن إحدى مشكلات العلاقات الإنسانية: فنحن لا نسمع الكلمات وحدها، بل نحمّلها ما اعتدنا أن نفهمه منها. قد يسمع الرجل ”لا شيء“ فيعتقد أن المسألة انتهت، بينما تنتظر المرأة منه أن يقرأ ما وراءها. وقد تسمع المرأة ”أنا بخير“ فتدرك أن شيئًا ما ليس على ما يرام، لكنها قد لا تدرك أن الصمت في تلك اللحظة هو ما يحتاج إليه الطرف الآخر.

إنهما أمام الكلمات نفسها، لكن كُلًّا منهما قد يقرأها من نافذة مختلفة.

وفي الحب، تصبح هذه الفروق أكثر وضوحًا.

قد يرى الرجل الحب في الحماية، وتحمل المسؤولية، وتوفير الأمان، والوقوف إلى جانب من يحب عند الحاجة. وربما لا يقول كثيرًا، لأنه يعتقد أن أفعاله تتحدث عنه. وقد يستغرب أن يُسأل: ”هل ما زلت تحبني؟“، وهو يرى نفسه قد أمضى يومه يعمل ويجتهد من أجل من يحب.

أما المرأة، فقد تجد الحب أكثر حضورًا في التفاصيل اليومية: سؤال، وكلمة، واهتمام، وملاحظة صغيرة، وتذكّر مناسبة، والتفاتة تأتي في وقتها. وربما لا تبحث عن جبل من التضحيات بقدر ما تبحث عن إشارة صغيرة تقول لها إن قلب الطرف الآخر ما زال يمشي إلى جوارها.

ومن الظلم أن نقول إن أحدهما يحب أكثر من الآخر؛ فقد يكون الاختلاف في ”شكل الحب“، لا في مقداره.

والرجل حين يصمت قد لا يكون باردًا، كما أن المرأة حين تتحدث كثيرًا قد لا تكون كثيرة الشكوى. أحيانًا يكون الصمت وسيلته لترتيب الفوضى داخل رأسه، بينما يكون الكلام وسيلتها لترتيب الفوضى نفسها. هو يدخل إلى غرفته الداخلية ويغلق الباب حتى يعثر على الجواب، وهي تفتح أبواب الكلام حتى تصل إلى السؤال الصحيح.

وفي الخلاف يتضح هذا الاختلاف أكثر.

قد ينسحب الرجل من الحوار لأنه يشعر أن استمرار الحديث سيزيد النار اشتعالًا، بينما قد تفسر المرأة انسحابه بأنه تجاهل أو عقاب أو عدم اهتمام. وفي المقابل، قد تواصل المرأة الحديث لأنها تريد الوصول إلى طمأنينة أو تسوية عاطفية قبل أن تهدأ، بينما يشعر الرجل بأنها تعيد فتح الجرح في كل مرة.

هنا لا يكون أحدهما بالضرورة مخطئًا؛ لكن كُلًّا منهما يستخدم أداة مختلفة لإطفاء الحريق.

ولهذا فإن النضج الحقيقي لا يأتي حين يحاول الرجل أن يجعل المرأة تفكر مثله، ولا حين تحاول المرأة أن تجعل الرجل يشعر بالطريقة التي تشعر بها هي. يبدأ النضج حين يفهم كل طرف أن الآخر ليس نسخةً ناقصةً منه، وأن الاختلاف لا يعني بالضرورة أن أحدهما على صواب والآخر على خطأ.

ولو كان الرجل والمرأة يفكران بالطريقة نفسها تمامًا، لربما أصبحت أشياء كثيرة أكثر سهولة، لكنها قد تصبح كذلك أفقر في زوايا النظر إليها. قد يمنح أحدهما الموقف قدرةً أكبر على الحسم، بينما يمنحه الآخر مساحةً أوسع للتأمل؛ أحدهما يرى الطريق، والآخر ينتبه إلى ما قد يحدث لمن يسلكه. أحدهما يحاول أن يفك العقدة، والآخر يسأل: لماذا عُقد الحبل أصلًا؟

ومع ذلك، يجب ألا نحوّل مثل هذه الصور إلى سجون نضع فيها البشر.

فليست كل امرأة عاطفية، ولا كل رجل عمليًا. وليس كل رجل يهرب من الحوار، ولا كل امرأة تبحث خلف التفاصيل. الشخصية، والتربية، والثقافة، والتجارب، والعمر، والظروف؛ كلها تشارك في تشكيل الإنسان وطريقته في التفكير والشعور. وربما يكون الاختلاف بين رجلين أكبر من الاختلاف بين رجل وامرأة.

لذلك، فإن الحديث عن الفروق بين الرجل والمرأة ينبغي أن يبقى حديثًا عن اتجاهات واحتمالات، لا عن أحكام وقوانين.

فالإنسان أكبر من جنسه.

وفي النهاية، ربما لا تكمن المشكلة في أن الرجل والمرأة قد يختلفان في بعض طرائق التفكير والتعبير، بل في أن كُلًّا منهما ينسى أحيانًا أن الآخر لا يعيش داخل رأسه.

الرجل يريد منها أن تفهم صمته كما يفهمه هو، والمرأة تريد منه أن يفهم كلامها كما تشعر به هي. وبين الصمت والكلام يقف سوء الفهم مثل جدار لا نراه، لكنه يرتفع قليلًا كلما تحدثنا دون أن نصغي، وكلما حكمنا على الآخر بلغتنا نحن بدل أن نحاول فهم لغته.

ولعل أجمل ما يمكن أن يصل إليه الرجل والمرأة ليس أن يتشابها، بل أن يتعلما ترجمة بعضهما.

أن يعرف الرجل أن بعض الكلمات ليست أسئلة تبحث عن إجابة، بل أيدٍ ممدودة تبحث عن طمأنينة.

وأن تعرف المرأة أن بعض الصمت ليس بابًا مغلقًا، بل غرفةً يحاول الرجل فيها أن يرتب ما عجز عن قوله.

عندها فقط، لا يعود الاختلاف بينهما معركةً بين عقلين، بل يصبح حوارًا بين نافذتين تطلان على الحياة نفسها.

نافذة ترى المطر وهو يهطل.

وأخرى ترى أثره على الأرض.

وكلاهما، في النهاية، لا يرى المطر كاملًا إلا حين يفتح النافذتين معًا.