لم أكن قوية… كنتُ مُسنَدة
ثمة وهمٌ جميل ظللتُ أعيش فيه طويلًا:
أنني امرأةٌ قوية.
كنتُ أرى صورتي في عيون الآخرين: دكتورةً، وكاتبةً، وأديبةً، ومستشارةً، ومعلمةً، وامرأةً تعلّمت أن تمنح الآخرين من يقينها ما يكفي ليعبروا به مناطق الشك.
وكنتُ أصدّق ذلك.
لم أكن أدري أن الإنسان قد يخلط طويلًا بين القوة ووفرة السند؛ وأننا أحيانًا لا نكون أقوياء كما نتوهم، وإنما نكون محاطين بأشخاصٍ يجعلون هشاشتنا مستترة، وخوفنا مؤجلًا، وسقوطنا مؤجلًا أيضًا.
كنتُ ابنة أبي.
وهذه وحدها كانت تكفيني لأشعر أن في العالم جهةً لا أخاف منها.
كنتُ أعتز به اعتزازًا يتجاوز معنى الأبوة إلى معنى أعمق:
إلى ذلك الشعور الخفي بأن هناك رجلًا في هذا الكون، مهما بلغتُ من العمر والمكانة، سأظل في عينيه ابنته التي تستحق الدلال والحماية.
كان أبي شيئًا من هيبة الأمان في داخلي.
ولذلك حين رحل، لم أفقد رجلًا أحببته فقط؛ فقدتُ المعنى الذي كان يترجم لي كلمة: أبي.
اكتشفتُ أن بعض الأشخاص لا يسكنون حياتنا فحسب، بل يسكنون تعريفنا لأنفسنا.
وحين يغادرون، لا يخلّفون فراغًا في المكان… بل يحدث فينا خللٌ في اللغة.
نبحث عن أنفسنا فلا نجدها بالصيغة القديمة.
ثم كانت أمي.
أمَّا أمي فلم تكن جهةً من جهات الأمان… كانت الأمان نفسه.
كان أبي يمنحني شعورًا بأن لي ظهرًا، وكانت أمي تمنحني شعورًا بأن لي قلبًا أعود إليه.
كانت الحنان قبل أن أعرف أن للحنان اسمًا، وكانت الحب في صورته الأولى، غير المشروطة، غير القابلة للتفاوض.
أمي هي تلك المساحة التي لا تحتاج فيها المرأة إلى أن تكون دكتورة، ولا كاتبة، ولا قوية، ولا ناجحة، ولا حتى متماسكة.
تكفي أن تكون ابنتها.
ولذلك كان رحيلها من أكثر أنواع الفقد خفاءً وعمقًا.
فالإنسان لا يفقد أمه حين تموت فقط؛ يفقد المكان الذي كان يستطيع أن يخلع فيه عن روحه ثيابها الرسمية.
رحم الله أبي وأمي…
كم يبدو الإنسان كبيرًا في أعين الناس، وصغيرًا جدًا أمام فقد والديه.
وكم تكتشف المرأة، حين تفقد بعض الذين كانوا يشكلون أمانها الأول، أن كثيرًا مما حسبته قوةً ذاتية، كان في جانبٍ منه أثرًا لذلك الحب الذي أحاطها طويلًا.
وكان زوجي…
ذلك الحضور الذي لم يصنعني، ولم يحمل عني مشقة الطريق، فقد كنتُ أعرف طريقي وأبنيه بيدي، وأشقّ في المعرفة دروبي، وأصوغ ذاتي بالعلم والتجربة والإنجاز.
لكنه كان شيئًا آخر أكثر خفاءً وأشد أثرًا…كان الطمأنينة التي تتيح للإنسان أن يتفرغ لتألّقه.
كان وجوده إلى جواري يضيف إلى حياتي ذلك الاتساع الذي يجعلني أذهب أبعد في ذاتي، وأغوص أعمق في معرفتي، وأمنح شغفي بالعلم والكتابة والتحصيل مساحاتٍ أرحب.
لم يكن هو من بنى ذاتي، لكن حضوره كان يضيء ما بنيته.
لم يكن من منحني القوة، لكن قربه كان يجعل قوتي أكثر صفاءً، وحضوري أكثر تألقًا.
كنتُ أجد في وجوده ذلك النوع النادر من الشراكة التي لا تطغى على الذات، بل تمنحها مجالًا كي تنمو؛ فكنتُ أقرأ أكثر، وأكتب أكثر، وأتعلّم أكثر، وأصير — مع كل خطوة — أكثر امتلاءً بنفسي.
ثم جاء المرض…
فلم يُعد ترتيب الأدوار بيننا فحسب، بل أعاد تعريف معنى الحضور نفسه.
ذلك الذي كان وجوده يضيف إلى اكتمالي، أصبح الآن يحتاج مني أن أكون أنا له بعضًا من ذلك الأمان الذي كان يحيط أيامي دون أن أشعر.
وهنا أدركتُ أن بعض الناس لا يبنوننا، لكنهم يجعلون بناءنا أكثر إشراقًا؛
ولا يحملون أحلامنا، لكنهم يمنحون أحلامنا المناخ الذي تزدهر فيه.
وهنا بلغت الحياة ذروة مفارقتها.
الرجل الذي كنتُ أستند إليه، أصبح هو نفسه بحاجة إلى من يستند إليه.
ومن كنتُ أراه سندًا، رأيته يتعب.
ووجدتني، للمرة الأولى، أمام سؤالٍ لا تجيب عنه الكتب، ولا تنفع فيه البلاغة، ولا يكفيه اتساع التجربة:
كيف تسند من تحب، وأنت في داخلك تبحث عمّن يسندك؟
في تلك اللحظة سقطت عني أوهام كثيرة.
عرفتُ أن القوة ليست أن نظل واقفين دائمًا.
فالجبال نفسها تتصدع، والبحار تعصف، والأشجار العتيقة تفقد أغصانًا كاملة
ولا تتوقف عن إنبات الربيع.
القوة ليست غياب الضعف؛ القوة ألا يتحول الضعف إلى هزيمة.
وعرفتُ شيئًا أكثر قسوة:
أننا لا نعرف مقدار ما كان يحملنا الآخرون إلا حين نضطر إلى حمل أنفسنا بأنفسنا.
رحل أبي.
وغابت أمي.
وأرهق المرض زوجي.
فماذا بقي مني؟
بقيتُ أنا…
لكن ليس أنا التي كنتها.
بقيت امرأةً أكثر معرفةً بالفقد، وأقل غرورًا أمام الحياة.
امرأةً تعرف الآن أن كل ما نظنه ملكًا لنا هو، في الحقيقة، وديعةٌ مؤقتة؛
وأن الأب وديعة، والأم وديعة، والزوج وديعة، والصحة وديعة، وحتى القوة نفسها وديعة.
وأن البلاغة كلها تعجز أمام جملة واحدة:
كانوا هنا… ثم لم يعودوا.
هذه الجملة وحدها تختصر فلسفة الفقد كلها.
لا يحتاج الموت إلى خطبة.
يكفي أن يغيّر زمن الفعل.
كان.
ولم يعد.
ومنذ ذلك الحين، تغيرت علاقتي بالحياة.
لم أعد أطالبها بأن تكون عادلة.
فالحياة لا توزع أقدارها على أساس الاستحقاق.
ولا أطلب منها أن تعيد لي الذين أخذتهم.
فثمّة أشياء إذا غادرت لا تعود، وإن عادت في الذاكرة ألف مرة.
إنما أطلب من الله شيئًا آخر:
أن يجعل الغياب حضورًا من نوع آخر.
أن يبقى أبي في كبريائي حين أقف.
وأمي في رحمتي حين أحنو.
وزوجي في قلبي وهو يعبر مرضه، حتى نعبر معًا إلى العافية بإذن الله.
لقد فهمت متأخرة أن الذين نحبهم لا يرحلون جميعًا.
بعضهم يغادر الجسد، ويبقى في السلوك.
يبقى في نبرة الصوت.
في طريقة الاحتضان.
في مفرداتنا.
في الأشياء التي نفعلها دون أن نعرف أننا تعلمناها منهم.
في تلك القوة التي نمارسها ونظن أنها لنا، ثم نكتشف أنها ميراث عاطفي منهم.
لذلك حين يراني أحدهم اليوم قوية، لا أصحح له الصورة.
أبتسم فقط.
لأنه لا يعرف أن خلف هذه المرأة التي يظنها عصيةً على الانكسار،
طفلةً ما زالت تفتقد أباها، وابنةً تبحث في الذاكرة عن أمها، وزوجةً تخفي خوفها على رجلٍ تحبه أكثر مما تستطيع اللغة أن تقول.
ولا يعرف أن بعض الصلابة التي يراها ليست إلا ندوبًا أتقنت الوقوف.
أنا لا أبالغ حين أقول إنني تغيرت.
الفقد لا يغيّرنا؛ الفقد يعيد تأويلنا.
يجعلنا نقرأ حياتنا السابقة بنصٍ جديد.
فنكتشف أن ما حسبناه عابرًا كان نعمة، وما اعتبرناه اعتياديًا كان استثنائيًا،
وأن كلمة ”بعد قليل“ كانت أحيانًا رفاهيةً لا نعرف قيمتها إلا حين تصبح مستحيلة.
لهذا أصبحتُ أكثر امتنانًا للتفاصيل الصغيرة.
لصوت من أحب.
لجلسةٍ عابرة.
لصحةٍ قد تبدو عادية.
لزوجٍ يبتسم رغم ألمه.
لذكرى أبي.
لدعاء أمي.
لأنني عرفت أن أكثر الأشياء رسوخًا في حياتنا قد تكون أقربها إلى الرحيل.
وأصبحتُ أعرف الآن:
أن الإنسان لا يكبر حين يزداد عمره، بل حين يصبح قادرًا على حمل ما لا يستطيع تغييره.
وأن النضج ليس أن تتوقف عن البكاء، بل أن تعرف أين تضع دمعتك، ومتى ترفع رأسك، ولمن تشكو.
وأنا، بعد كل ما مرّ بي، لم أعد أبحث عن القوة في نفسي وحدها.
أبحث عنها في الله.
فحين تتساقط من حولنا الجهات التي ألفنا الاتكاء عليها، نكتشف أن هناك جهةً واحدة لا يطالها الفقد.
الله.
هو الذي يبقى حين يصبح الماضي مقبرةً للأصوات.
هو الذي يمنحنا القدرة على أن نحب من رحلوا دون أن نموت معهم، وأن نخاف على من بقي دون أن يقتلنا الخوف، وأن نحمل الذاكرة دون أن تتحول إلى قيد، وأن نمضي…، لا متخلّين عنهم، بل حاملين أثرهم فينا.
رحم الله أبي وأمي رحمةً تليق بفيض ما تركاه في قلبي.
وألبس زوجي ثوب العافية، وردّ إليه صحته وقوته، وأبقاه لي ما بقي من العمر جميلًا مطمئنًا.
أما أنا…
فلم أعد أقول:
أنا قوية.
هذه العبارة أصبحت أقل أهمية عندي الآن.
أقول:
كنتُ مُحاطةً بمن جعلوني أشعر أنني أقوى مما أنا عليه.
ثم رحل بعضهم، ومرض بعضهم، وبقي الله.
ومنذ أن عرفت هذه الحقيقة، لم أعد أخشى كثيرًا من أن أنكسر.
فأنا أعرف الآن أن الإنسان قد ينكسر…
لكن الله وحده يعرف كيف يعيد للروح شكلها بعد الانكسار.














