آخر تحديث: 1 / 9 / 2026م - 11:10 م

الشيخ الصفار: القيادة الدينية الصادقة تستلهم من سيرة رسول الله التواضع وتنمية الوعي واحترام الناس

جهات الإخبارية

قال الشيخ حسن الصفار: إن سيرة الرسول الأعظم ﷺ تقدم للبشرية نموذجًا رفيعًا لما ينبغي أن تكون عليه القيادة في المجتمع الإنساني.

وتابع: إن من يتصدى للقيادة الدينية مطالبٌ بأن يستلهم النهج النبوي في علاقته بالناس، وأن يتحلى بالتواضع، ويعمل على تنمية وعي المجتمع وتفكيره، ويبادل الناس الاحترام والتقدير.

جاء ذلك ضمن كلمة ألقاها بمناسبة ذكرى المولد النبوي الشريف، مساء الأحد في مسجد المحسن بمدينة سيهات.

مكانة القيادة الدينية وخطورة الانحراف

واستهل الشيخ الصفار حديثه بالإشارة إلى المكانة الخاصة التي تحتلها القيادة الدينية في الحياة الاجتماعية، موضحًا أن القيادات الأخرى تستمد جانبًا كبيرًا من قوتها ونفوذها من مقومات مادية وظاهرية، بينما تستمد القيادة الدينية تأثيرها من وازع داخلي في نفوس المؤمنين.

وأوضح أن الإنسان المتدين ينظر إلى القائد الديني باعتباره رمزًا للدين الذي يؤمن به، ولذلك يجد في تدينه دافعًا إلى احترامه وتقديره وطاعته، وهو ما يمنح القائد الديني مكانة في النفوس قد لا تتوفر لغيره من القيادات الاجتماعية.

وتابع: إن هذه المكانة تُمثل في الوقت نفسه موطنًا للمسؤولية والخطورة؛ لأن من يتصدى للقيادة الدينية إذا لم يكن أهلًا لها، أو لم يلتزم بالقيم التي دفعت الناس إلى احترامه، فقد يستغل ذلك النفوذ والثقة في اتجاه بعيد عن مقاصد الدين وقيمه.

واستشهد بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ، مبينًا أن تحذير القرآن من انحراف بعض القيادات الدينية في مجتمعات الأديان السابقة، يُلفت أنظار المؤمنين إلى خطورة هذا الموقع حين يتسنّمه غير الجدير به.

وأكد أن القائد الديني غير المعصوم يبقى بشرًا معرضًا للخطأ والانحراف، لذلك فإن على الناس أن يفتحوا عقولهم وأعينهم، وأن يقوّموا سيرة من يتصدى لهذا الدور، وألا تتحول المكانة الدينية إلى حاجزٍ يمنعهم من الوعي والتقييم.

السيرة النبوية معيار للقيادة الدينية

وقال الشيخ الصفار إن سيرة النبي الأكرم ﷺ تقدم نموذجًا لما يجب أن تكون عليه القيادة الدينية، داعيًا المؤمنين إلى تقييم أي مشروع قيادي ديني على ضوء السيرة النبوية الشريفة.

ولفت إلى أن المطلوب من القائد غير المعصوم ليس أن يكون نسخة مطابقة للمعصوم، فهذا أمر غير متوقع، وإنما أن يسير على نهجه، ويترسم طريق رسول الله ﷺ في ممارسته لدوره الديني والقيادي وفي تعامله مع الناس.

وتوقف الشيخ الصفار عند قوله تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ، موضحًا أن الآية ترسم عددًا من المعالم الأساسية لعلاقة النبي ﷺ بأمته.

وبيّن أن قوله تعالى: ﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ يكشف عن إحساس النبي ﷺ بآلام الناس ومعاناتهم، وأن القائد الديني المخلص ينبغي أن يعيش آلام من حوله، وأن يهتم بتجنيبهم الأذى والمشقة بالمقدار الممكن.

وتابع: وقوله تعالى: ﴿حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ يؤكد أن القيادة الدينية ليست دورًا احترافيًا أو مجرد موقع اجتماعي، بل مسؤولية تقوم على الحرص الحقيقي على مصالح الناس وما ينفعهم في دنياهم وآخرتهم، بحيث يفكر القائد في مصالح الناس قبل مصالحه الذاتية.

وأضاف: وفي قوله تعالى: ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ، إشارة إلى ما تحمله الرأفة والرحمة من دلالات في طبيعة علاقة رسول الله ﷺ بالناس، وأن عطفه ورحمته لم يكونا مقتصرين على الصالحين، بل كان المخطئ والعاصي ينالهما نصيب من شفقته ورحمته.

وأشار إلى أن خفض الجناح تعبير قرآني بالغ الدلالة على الشفقة والرحمة والتواضع في التعامل مع الناس، كما في قوله تعالى: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ ، وقوله سبحانه: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ .

التواضع وعدم تضخيم الذات

وحدد الشيخ الصفار ثلاث صفات أساسية في تعامل رسول الله ﷺ مع أمته ينبغي أن يستلهمها من يتصدى للقيادة الدينية، وفي مقدمتها ”التواضع وعدم تضخيم الذات“.

وأبان أن الاحترام الكبير الذي يحظى به القائد الديني، وخاصة حين يكون نابعًا من الشعور الديني لدى الناس، قد يتحول إلى مصدر خطر إذا لم يكن القائد واعيًا ومتمسكًا بالقيم الأخلاقية؛ إذ قد يدفعه خضوع الناس واحترامهم إلى الشعور بالتفوق عليهم والتعالي في التعامل معهم.

وحذر من أن تضخّم الذات لدى القائد الديني يمثل سقوطًا أخلاقيًا وقيميًا، مؤكدًا أن التواضع من أهم القيم التي ينبغي أن تتجسد في شخصيته.

وأشار إلى أن رسول الله ﷺ لم يكن يقبل المبالغة في تعظيم شخصه، وكان يؤكد بشريته امتثالًا لقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ ، لافتًا إلى أن اقتران مقام الرسالة بالعبودية ”وأشهَدُ أنَّ محمَّدًا عبدُه ورسولُه“ يحمل رسالة واضحة في رفض تضخيم الذات.

واستعرض في هذا السياق عددًا من المواقف الواردة في السيرة النبوية التي تظهر تواضع رسول الله ﷺ ورفضه أن يعامله أصحابه معاملة الملوك، مؤكدًا أن هذه المواقف درس لكل من يتولى موقعًا دينيًا بألا يجعل محبة الناس واحترامهم وولاءهم سببًا للتعالي عليهم.

القائد الديني ينمّي وعي الناس ولا يفكر عنهم

وتناول الشيخ الصفار الصفة الثانية في النموذج النبوي للقيادة، وهي إشراك الناس في الرأي واستثارة عقولهم، مشيرًا إلى أن رسول الله ﷺ، مع مكانته واتصاله بالوحي وما يتمتع به من كمال العقل والفضل، كان كثير المشاورة لأصحابه.

ومضى يقول: إن مشاورة النبي ﷺ لأصحابه تحمل رسالةً مهمة مفادها أن القائد الديني والقيمي لا ينبغي أن يرى نفسه مستغنيًا عن آراء من حوله، وإنما عليه أن يستثير عقولهم ويشركهم في التفكير وصناعة الرأي.

وأوضح أن إشراك الناس في الرأي يحقق غايتين أساسيتين؛ الأولى تنمية قدرتهم على التفكير وتكوين الرأي، والثانية إشراكهم في تحمل همَّ مسؤولية إنجاز القرارات وتنفيذها.

وأضاف أن الإنسان حين يكون شريكًا في الرأي يكون أكثر حماسًا لتحمل مسؤولية التنفيذ، بينما يؤدي احتكار القائد للتفكير والقرار إلى إضعاف وعي المحيطين به وإصابة قدراتهم على التفكير بالضمور.

وشبّه الذهن بعضلات الجسم التي يصيبها الضعف والضمور إذا لم تتحرك وتُستخدم، مؤكدًا أن من مصلحة الدين أن يعمل القائد الديني على تنمية وعي الناس وتفكيرهم، لا أن يقدم نفسه بوصفه من يفكر عنهم في كل شيء.

مبادلة الناس الاحترام

وجعل الشيخ الصفار «مبادلة الناس الاحترام» الصفة الثالثة في النموذج النبوي، مؤكدًا أن احترام الناس للقائد الديني ينبغي ألا يكون علاقة من طرف واحد، بل يجب أن يقابله احترام القائد للناس وتقديره لشخصيتهم ودورهم.

وتابع: إن سيرة رسول الله ﷺ تقدم نماذج عملية عميقة في هذا الجانب، فقد كان يبدأ حتى الصغار بالسلام، ويشعر الأطفال بالتقدير والاحترام، كما كان يبدي الاحترام لمن يدخل عليه من أصحابه.

وأشار إلى ما ورد في السيرة من أن أحد أصحاب النبي ﷺ دخل عليه وهو جالس وحده، فتزحزح له رسول الله ﷺ عن مكانه، مع سعة المكان، في إشارة إلى ما ينبغي أن يكون عليه المؤمن من إكرام أخيه واحترامه.

وبيّن أن هذه التفاصيل في السيرة النبوية ليست مواقف عابرة، وإنما تحمل رسائل لمن يتولون مواقع القيادة الدينية، بأن يسيروا على نهج رسول الله ﷺ في احترام الناس وتقديرهم، والسؤال عنهم، وتحمل ما قد يصدر منهم من بعض التقصير والخطأ.

هذا وقد بدأ الحفل بتلاوة آيات من القرآن الكريم بصوت القارئ وسام النصر، وشارك الشاعر حسن الشبيب بقصيدة، واللرادود حسن أمان بالأهازيج والمولد، وكان مقدم الحفل الأستاذ أحمد السيهاتي.