سيكولوجية السلوك الإداري... لماذا لا تكفي المعرفة
هناك من المديرين من يقرأ كثيرًا عن الإدارة والقيادة وتطوير الذات، ويحضر العديد من البرامج والدورات وورش العمل، ويعرف ما ينبغي فعله وما لا ينبغي فعله، وما ينبغي تجنبه، لكنه عندما يواجه موقفًا إداريًّا أو مشكلة إدارية محددة، أو أزمة مفاجئة أو خلافًا داخل فريق العمل، يتصرف أحيانًا بعكس ما تعلمه وما عرفه. وفي المقابل، قد نصادف قائدًا ميدانيًّا، أو مسؤولًا، أو رئيس قسم أو فريق عمل أقل معرفة ودراسة واطلاعًا وتدريبًا، لكنه ينجح في إدارة المواقف بحكمة، ويكتسب احترام من حوله، بل ويتخذ قرارات متزنة في أصعب الظروف، وكأن خبرته في الحياة علمته ما لم تستطع الكتب والدورات وحدها أن تعلمه.
وهنا تظهر المفارقة ويولد التساؤل: لماذا ينجح البعض في تحويل ما درسوه وما تعلموه وجربوه إلى سلوك يتجلى في تعاملهم وقراراتهم ومواقفهم، بينما يعجز آخرون عن ذلك رغم امتلاكهم المعرفة؟ وكيف نبني ونطور السلوك الإداري الصحيح؟
لعل أول ما يمكن أن نبدأ به للإجابة عن هذا التساؤل هو أن السلوك الإنساني أعمق من المعرفة التي يملكها الإنسان؛ فهو لا يتصرف دائمًا وفق ما يعرف، أو وفق ما ينبغي فعله، وإنما وفق ما ترسخ في داخله من أفكار وقيم ومعتقدات ومشاعر وتجارب وعادات ودوافع، ولذلك فهو يعرف ما ينبغي أن يفعله وما لا ينبغي فعله، لكنه في لحظة معينة يتصرف وفق ما اعتاده، أو ما يشعر به، أو ما يعتقده، أو ما تفرضه عليه الظروف أو الموقف.
وقد لخص بيتر دراكر هذه الحقيقة حين قال: «المعرفة وحدها لا تكفي، بل يجب تحويلها إلى فعل». وهذا يعني أن قيمة المعرفة لا تظهر في مقدار ما نعرفه، أو ما نختزنه من معلومات، وإنما في مقدار ما نستطيع تحويله إلى ممارسة وسلوك وقرار وأثر، وهذا ما أشار إليه أيضًا الباحث كريس أرجيريس في حديثه عن الفجوة بين النظرية المعلنة والنظرية المستخدمة فعليًّا، «فالناس غالبًا ما يصفون لأنفسهم وللآخرين الطريقة التي يعتقدون أنهم يتصرفون بها، لكن سلوكهم الفعلي في المواقف الحقيقية قد يكون مختلفًا تمامًا».
فالمعرفة التي تبقى في العقل دون أن تنتقل إلى الممارسة تظل معرفة نظرية أو مجرد معلومات لا غير؛ أما حين تتحول إلى عادة في التصرف، وإلى معيار في اتخاذ القرار، وإلى طريقة في التعامل مع الآخرين، فإنها تصبح جزءًا من السلوك.
وهنا نصل إلى حقيقة جوهرية، وهي: أن ما نعرفه ليس بالضرورة ما نفعله، وما نفعله في موقف معين قد يكون انعكاسًا لما ترسخ في داخلنا أكثر مما هو انعكاس لما تعلمناه.
يشبه علماء النفس وبعض الباحثين في السلوك التنظيمي السلوك البشري بجبل الجليد؛ وهو كتلة كبيرة من الجليد تتكون عندما تنفصل عن الأنهار أو الصفائح الجليدية وتطفو في مياه البحار والمحيطات، فما يظهر منه فوق سطح الماء ليس إلا جزءًا صغيرًا، بينما يختفي الجزء الأكبر تحت السطح. وكذلك الإنسان؛ فما نراه من سلوك ظاهري، كالكلمات والقرارات وردود الأفعال والتصرفات، لا يمثل بالضرورة كل ما يجري داخله، فقد يقف خلف السلوك الظاهر أفكار ومشاعر وقيم ومعتقدات ودوافع وتجارب وعادات واحتياجات ومخاوف لا نراها.
فحين نرى على سبيل المثال مديرًا منفعلًا أو موظفًا قليل المشاركة، أو قائدًا أو أبًا يميل إلى السيطرة وفرض رأيه على الآخرين، فإننا نرى السلوك الظاهر فقط، لكننا لا نرى بالضرورة ما وراءه، فقد يكون وراء الغضب خوف أو ضغط أو شعور بعدم الأمان، أو تجربة سابقة غير مشجعة أو غير محفزة.
ومن هنا ينبغي ألا نتعامل مع السلوك باعتباره ظاهرة سطحية منفصلة عن الإنسان، بل ينبغي أن ننظر إليه من زاوية أعمق، فالذي نراه ليس دائمًا هو القصة الكاملة، وإنما هو قمة جبل الجليد، أما الجزء الأكبر من القصة فيختبئ تحت السطح، ومن هنا تبدأ رحلتنا الحقيقية في فهم سيكولوجية السلوك الإداري، وما الذي يقف خلفه.
إذا كان ما نراه من سلوك الإنسان لا يمثل إلا الجزء الظاهر كما بيناه في نموذج جبل الجليد، فإن السؤال الذي يفرض نفسه هنا: كيف يتشكل السلوك في الأصل؟ وما الذي يجعل إنسانًا ما يتصرف بطريقة تختلف عن غيره في الموقف نفسه؟
للإجابة عن هذا السؤال، لا بد من الإشارة إلى أن البحوث والدراسات والمدارس النفسية تعددت في تفسير السلوك الإنساني ووصفه، تبعًا لاختلاف رؤى الباحثين وأهدافهم ومداخلهم العلمية، ومن أبسط هذه التصنيفات التي ترتبط بموضوعنا التمييز بين السلوك الفطري والسلوك المكتسب.
فالسلوك الفطري هو ما يصدر عن الإنسان بصورة طبيعية دون الحاجة إلى التعليم أو التدريب، كالبكاء عند الشعور بالحاجة، والبحث عن الطعام والشراب وما إلى ذلك، أما السلوك المكتسب فهو ما يتعلمه الإنسان من خلال التربية والتعليم والتدريب والممارسة والخبرة، كالقراءة والكتابة، وأساليب التواصل مع الآخرين، وغيرها.
غير أن السلوك الإنساني لا يتوقف عند هذا الحد فحسب؛ فالإنسان لا يولد بسلوكه كاملًا، ولا يكتسبه فقط من خلال التعليم المباشر، وإنما يتشكل تدريجيًّا من خلال تفاعله المستمر مع البيئة ومع من حوله، ولهذا قيل: «الإنسان ينمو من خلال الآخر». وهذا ما أثبتته نظرية التعلم الاجتماعي لألبرت باندورا، التي وسعت فهمنا لكيفية اكتساب السلوك، موضحة أن الإنسان يتعلم كثيرًا من سلوكياته من خلال الملاحظة والمحاكاة والنمذجة، وليس فقط من خلال التلقين أو التجربة المباشرة.
لقد أكد المتخصصون في الإدارة والسلوك التنظيمي أن السلوك الإداري لا يختزل في مجموعة من الأوامر والتعليمات أو في الأساليب التي يستخدمها المدير في إدارة موظفيه، وإنما يمكن النظر إليه على أنه مجموعة من الأنماط والتصرفات والممارسات التي يظهر من خلالها المدير أو القائد في تعامله مع الأفراد، وفي تفسيره للمواقف، واتخاذه للقرارات، ومعالجته للمشكلات، وتعامله مع السلطة والمسؤوليات، وسعيه إلى تحقيق أهداف المنظمة.
وبعبارة أخرى، هو الطريقة التي تتحول بها أفكار المدير وقيمه ومعتقداته ومهاراته وخبراته إلى أفعال وقرارات وممارسات داخل البيئة التنظيمية، وهو في جوهره سلوك إنساني، لكنه يختلف عن السلوك اليومي العادي في طبيعة الدور الذي يمارسه الإنسان والنتائج التي تترتب على تصرفاته.
وقد أكد دانيال جولمان، في كتاباته حول الذكاء العاطفي والقيادة، أن المشاعر والسلوكيات تنتقل داخل فرق العمل بصورة تشبه العدوى: «فهدوء القائد، واحترامه للآخرين، وضبطه لانفعالاته، لا تبقى صفات شخصية بل تتحول تدريجيًّا إلى نمط سلوكي ينتشر بين أفراد الفريق، كما أن التوتر، والغضب، وسوء التعامل تنتقل بالطريقة نفسها».
إذا كان السلوك الإداري في النهاية هو ثمرة ما يحمله الإنسان في داخله من أفكار وقناعات وقيم ومعتقدات وخبرات ومشاعر، فإن بناء السلوك الإداري الصحيح لا يبدأ بزيادة المعلومات أو بكثرة المعارف، وإنما يبدأ بتحويل المعرفة إلى قناعة وممارسة وعادة، فالدراسات تشير إلى أن تعلم المعرفة والمهارات الإدارية لا يعني بالضرورة استخدامها في بيئة العمل؛ إذ يتطلب انتقالها إلى الممارسة والتطبيق دافعية لدى الفرد، وبيئة عمل تشجع السلوك فضلاً عن الدعم والمتابعة، ومن هنا يمكن النظر إلى بناء السلوك الإداري من خلال مجموعة من الخطوات المترابطة، وهي كالآتي:
أولًا: الوعي بالسلوك
إن أول خطوة في بناء السلوك الإداري الصحيح هي أن يصبح المدير واعيًا بسلوكه؛ أي أن يعرف ماذا يفعل ولماذا يفعل، وكيف يتعامل مع الآخرين، وما الأثر الذي يتركه فيهم، فعلى سبيل المثال، المدير الذي يقاطع موظفيه باستمرار قد يعتقد أنه حريص على الوقت، بينما قد يراه موظفوه غير مستمع إلى آرائهم، والذي يرفع صوته عند الاختلاف قد يعتقد أنه حازم، بينما قد يراه الآخرون متوترًا أو متسلطًا، ولذلك فإن الوعي بالسلوك لا يعني مجرد ملاحظة التصرف، بل يعني فهم ما يقف خلفه من أفكار ومشاعر ومعتقدات ودوافع، ثم إدراك نتائجه على الآخرين، ولذلك قالوا: «الوعي بالسلوك هو أن ترى نفسك كما تتصرف، لا كما تعتقد أنك تتصرف».
ثانيًا: تحويل القيم إلى ممارسة
ويعني ألا تبقى القيم الإدارية التي يؤمن بها المدير، كالعدل والشفافية والاحترام والتمكين، مجرد أفكار أو شعارات أو مبادئ مكتوبة، وإنما تظهر في قراراته وتصرفاته اليومية، خصوصًا عندما تكون المواقف صعبة وضاغطة، ولذلك قالوا: «العدل لا يظهر عندما تتساوى الظروف، وإنما عندما تختلف، والاحترام لا يظهر عندما نتفق، وإنما عندما نختلف».
ثالثًا: التعلم بالملاحظة والنمذجة
ويعني أن الإنسان لا يتعلم السلوك فقط من خلال التعليم والتدريب والتوجيه، بل يتعلم أيضًا من خلال مراقبة الآخرين وملاحظة طريقة تصرفاتهم، ثم تقليد السلوك الذي يراه مناسبًا أو ناجحًا، وهذا المفهوم يرتبط بشكل أساسي بنظرية التعلم الاجتماعي لألبرت باندورا التي أشرنا إليها في الفقرة السابقة، أما «النمذجة» فتعني أن يصبح شخص ما نموذجًا سلوكيًّا يتعلم منه الآخرون، فالقدوة ليست ما نطلبه من الآخرين، بل ما يروننا نفعله بشكل صحيح باستمرار.
وفي نهاية المطاف، يمكننا أن نقول إن المعرفة وحدها لا تصنع السلوك، وإن القيم لا تصبح مؤثرة إلا بالممارسة، فقد يعرف الإنسان الصواب، ويؤمن بالعدل، ويتحدث عن الاحترام والتمكين، ولكن الحقيقة تظهر عندما يأتي الموقف الذي يختبر كل ذلك.
وربما لهذا السبب لا يكون أفضل القادة دائمًا أكثرهم علمًا أو قراءة، بل أكثرهم قدرة على تحويل ما يعرفونه إلى ما يفعلونه، وما يؤمنون به إلى ما يمارسونه، وما يتعلمونه إلى أثر يتركه سلوكهم في الآخرين، فقد تستطيع أن تخدع الآخرين بمظهرك، لكن سلوكك سيخبرهم دائمًا من أنت.














