آخر تحديث: 1 / 9 / 2026م - 11:10 م

أبناؤنا ثمرة فؤادنا

أنيس آل دهيم *

أبناؤنا ثمرة فؤادنا، وأغلى ما تنبت شجرة العمر من ثمار. والثمر لا ينضج وحده، إنه يحتاج إلى الحب والرعاية، إلى يد تمسح عنه غبار الأيام، وإلى قلب يفرح كلما رأى غصنه يزداد اخضراراً.

الشجرة تحمل ثمارها الفتية، تلهو وتترعرع بين أغصانها حتى يحين أوان النضج. بعضها يسقط على الأرض بعد أن اكتمل نضجه، فيبدأ حياة جديدة، وتبقى الشجرة شامخة تراقبه وكأنها تودعه وهي مطمئنة.

ولكن بعضها الآخر يسقط قبل أن ينضج، تسقطه ريح عابرة، أو تعبث به يد العابثين، فيبقى الغصن معلقا في مكانه، بينما تنظر الشجرة إلى الثمرة الساقطة ولا تستطيع أن تعيدها إليها.

ولدي إحساس غريب بأن الشجرة تنتحب بحرقة، وأن في خشخشة أوراقها أنينا مكتوما، وأن الريح حين تمر بين أغصانها ليست ريحا، وإنما هي صوت أم أو أب يبكيان ثمرة اختطفتها الأيام قبل أن تكتمل.

وهكذا هو حال من فقد عزيزاً.

تراه بين الناس صلبا، متماسكا، محتسبا أمره إلى الله سبحانه وتعالى. يبتسم، ويتحدث، ويجالس الناس، وربما واسى غيره وهو يحمل في صدره جرحا لا يراه أحد. لكن ما إن يخلو بنفسه حتى يتبدل كل شيء.

تسقط الأقنعة التي فرضتها الحياة، وينهار ذلك الجدار الذي بناه أمام الناس. تجده خاشعا متضرعا إلى الله، والألم يعتصر قلبه، والدموع تعمي عينيه، والنحيب يخنق صوته. ينوح كطفل رضيع يبحث عن صدر يأويه، وعن يد تمسح على رأسه، وعن قلب يطبب جرحه ويسكن ألمه.

ولكنه لا يجد في تلك اللحظة إلا الله جل جلاله. ولا يجد من الكلمات ما يسع حزنه، إلا كلمات القرآن الكريم. فتأتيه سورة الفاتحة وكأنها يد حانية تمتد إليه من السماء، وتقول له:

﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ .

فيتوقف أمامها طويلاً...

ويعلم أن الحمد لله في السراء والضراء، في الفرح والمصيبة، في اللقاء والفراق، فالله سبحانه هو الذي لا يُحمد على خير فحسب، بل يُحمد على كل أمر قضاه، لأنه أرحم بنا من أنفسنا، وأعلم بما تخفيه الغيوب.

عندها يهدأ الألم قليلاً... وتبقى حرارة الشوق. فالفقد لا يقتل المحبة، وإنما يحولها إلى شوق لا يعرف له القلب نهاية.

وفي خلوتي...

أنظر إلى جدران المنزل...

فأشعر وكأنها تصبب عرقا.

ولا أدري: أهو عرق الحرّ الذي أثقل أجواء الصيف، أم أنها جدران أضناها الشوق إلى ثمرة فؤادي يوسف؟

يوسف الذي كان يعبث بها، ويمر بين غرفها كنسمة صغيرة لا تستأذن أحدا.

يوسف الذي كان يجدد طلاءها برفقتي أنا وأخيه الأكبر، يحمل أدواته الصغيرة، ويترك على الجدران شيئا من طفولته، وعلى قلوبنا شيئا من الفرح. اليوم تبدو الجدران كما لو أنها فقدت لونها. وكأن الطلاء الذي جددناه بأيدينا لم يعد قادرا على إخفاء آثار الغياب.

أشعر أن كل زاوية في هذا المنزل تنتظره. تنتظر ذلك الفتى الفتي، الذي كانت ابتسامته تثمر في كل مكان يحل فيه.

هذه الزاوية تذكره...

وهذا المقعد يعرف جلسته...

وهذا المكان يحفظ صوته...

وهذا الباب يشتاق إلى أنامله الدافئة حين تمتد إليه لتفتحه أو تغلقه.

حتى الأبواب، التي لا تعرف الكلام، أصبحت في غيابه أكثر صمتا.

أما كراس الرسم وألوانه، فقد بقيت وحيدة.

كأنها تجلس في زاوية الغرفة تنتظر عودته.

الكراس يقلب صفحاته في صمت، وكأنه يسأل:

متى يحتضنني يوسف؟

والألوان تنتظر أن تحملها أنامله، فتتحول على يديه من ألوان جامدة إلى سماء وبحر ووردة وحلم.

يا ليت الأشياء تستطيع أن تبكي!

لرأيت كراس الرسم يبكي...

والألوان تذبل...

والقلم يشيخ...

والغرفة كلها تجلس عند باب المنزل تنتظر فتىً لن يعود.

كل شبر في المنزل يفتقده. بل إنني أشعر أن المنزل لم يعد منزلا كما كان. فالبيوت لا تبنى من الجدران والأبواب فقط، البيوت تبنى بمن يسكنها، وبالأصوات التي تملؤها، وبالضحكات التي تتردد بين جدرانها. وحين يغيب أحدهم، لا يغيب جسده وحده، تغيب معه أشياء كثيرة لا نعرف قيمتها إلا بعد رحيله.

حتى الطرقات أصبحت تسألني:

أين هو؟

أين ذلك الفتى الوقور؟

أين خطاه التي كانت تمر من هنا؟

أين صوته؟

أين ابتسامته؟

وكأن الطريق نفسه لم يعد يعرف إلى أين يمضي من بعده.

وفي المدرسة...

أشعر أن مكانه في الفصل ما زال ينتظره.

المقعد يعرف صاحبه، والطاولة تحفظ آثار يديه، والكتب ربما ما زالت تتساءل: لماذا لم يأتِ اليوم؟

وحقيبة المدرسة منطوية على نفسها تتساءل لماذا لم يعد يوسف يحملني على ظهره كل صباح؟

المدرسة مليئة بالضجيج، والطلاب يملؤون الممرات والفصول، ولكنني أشعر أن ذلك الضجيج مخنوق.

فثمة صوت كان يملأ المكان، وحين غاب أصبح كل شيء ناقصا.

ليس أصعب ما في الفقد أن يغيب الإنسان عن المكان، بل أن تبقى الأماكن بعده شاهدة على حضوره.

وهذه هي قسوة الذكريات...

يا يوسف...

لقد علمتني بعد رحيلك أن الإنسان قد يغيب عن العين، ولكنه لا يغيب عن القلب. وعلمتني أن الفقد ليس نهاية الحكاية، وإنما بداية نوع آخر من المحبة، محبة لا تستطيع أن تعانق صاحبها، فتكتفي بالدعاء له.

لذلك، كلما اشتقت إليك، رفعت يدي إلى السماء.

وكلما ضاق صدري، قرأت الفاتحة.

وكلما مررت بمكان كنت فيه، ابتسمت رغم الألم، لأنني أعلم أن الله الذي أودعك في قلبي ستة عشر ربيعا، هو نفسه الذي استرد أمانته، وهو أرحم بك مني، وأرحم بي منك.

نم قرير العين يا ثمرة فؤادي...

فإن سقطت الثمرة قبل أن تنضج في أعيننا، فقد تكون عند الله قد بلغت من النضج ما لم ندركه نحن.

ولعل الشجرة التي بكتك هنا، تنتظر يوم اللقاء هناك...

يوم لا ريح فيه تسقط ثمرة، ولا يد تعبث بغصن، ولا فراق يوجع قلبا.

يوم نجتمع من جديد، فلا يكون في الجنة إن شاء الله وداع.

اللهم إن يوسف كان ثمرة من ثمار قلبي، فاجعله يا رب من ثمار الجنة، واجمعنا به في مستقر رحمتك، حيث لا خوف عليهم ولا هم يحزنون.

رحمك الله يا يوسف يا ثمرة فؤادي، وأسكنك الفردوس الأعلى، وجعل كل دمعة ذرفناها شوقا إليك، وكل دعاء رفعناه لأجلك، وكل فاتحة قرأناها على روحك، نورا لك في قبرك، ورفعة لك في درجاتك، حتى يجمعنا الله بك في دار لا فراق فيها، إن شاء الله.

الفاتحة على أرواح المؤمنين والمؤمنات