آخر تحديث: 1 / 9 / 2026م - 11:10 م

سلسلة: خلني أسولف لك

سالفة 2: كيف نُنجح مجتمعًا؟

المهندس أمير الصالح *

قد يأتيك اتصال من شخص للدعوة بالشراء في شركة مساهمة مغلقة أو عقد تحالف للشراء في مزاد مخطط عقاري أو قد ترى حملات ترويجية للدعوة لاكتتاب بشركة جديدة سيتم طرحها قريبًا بأسواق الأسهم المحلية. ولم تأتِ للكثير من الناس يومًا دعوة للمساهمة في بناء مجتمع فاضل أو زهد أغلب الناس في المساهمة في صنع المجتمع الذي ينشده أو يحلم به.

من جهة أخرى، انشغل الكثير من بعض المجتمعات بجُمل مثل:

لم يعزموني / لم يدعوني

نحن غير مدعوين والدعوة لأهل النخب والشيوخ وأصحاب الوجاهة. حظك عوج مهما فعلت. أنت من أبناء البطة السوداء.

ما نشوفك تجي عندنا / ما تسأل عنا

وين فلان وفلان، ما أشوفهم. لا يكون متزاعلين مع صاحب الدعوة

«لا تكلمونه»، ضايق خلقه، تراه متعقد

ترى شخص صامت طوال الوقت سواء في الديوانية أو القروب الرقمي.

وترى آخرين يحرقون جل أوقاتهم بمتابعة مشاهير كرة القدم وصفقات اللاعبين وآخر أخبار أهل الغناء والأفلام والسينما والألعاب الإلكترونية وفضائح بنات الرذيلة وأولاد الهوى. وترى وتسمع تراشق بعض المتدينين وانشغال عدد كبير من بعض المتدينين أو كما يُصنفون بذلك بمواضيع لا تقدم في حياتهم العملية أو الاقتصادية أو المهنية أو الاجتماعية شيئًا، بل تؤخرها. وهناك أناس نصبوا أنفسهم على رقاب الخلق وبمجرد زلة لسان أو غلط إملائي صدر من شخص فاعل، يزأرون كالأسد عليه ويجلدون الناشط بألسنتهم ويفرضون أنفسهم كمصححين لغويين أو كوكلاء عن الشريعة السمحاء.

فيتساءل الإنسان في خضم كل تلكم الغيوم السوداء والموجات المتلاطمة من الأمزجة: ما هي معالم نجاح المجتمع أو إنجاحه ككل، وليس كأفراد أو عوائل وكيف يساهم في صنعها؟!

الأقليات الناجحة

مررت ذات يوم بمجمع ديني ضخم للهنود السيخ بإحدى المدن الكندية؛ ومررت في يوم آخر بمجمع ديني تربوي دراسي ترفيهي اجتماعي لأتباع الديانة الأحمدية بمدينة كندية أخرى. فتساءلت: هل هذه علامات نجاح تلكم الأقليات أم علامة حرية عقائدية في ذاك البلد أم هي مصداق من مصاديق احترام حقوق الإنسان، أم هي فن من فنون كسب القلوب أم هي نتاج تجارة الترويج العقاري في ذاك البلد.

طاقات

في مواسم مختلفة من شهور السنة ”رمضان / محرم / ذي الحجة/… إلخ.“ يتكرر وصول رسائل رقمية داخل بعض القروبات / المجتمعات تتضمن دعوة للاشتراك في إطلاق مليون صلاة / قراءة 100 ألف ختمة قرآنية / دفع صدقة شهر صفر … إلخ. فهل انحسر نشاط أغلب أبناء المجتمعات المحافظة في العبادات؟ لك أن تتخيل أن معظم أصحاب الحملات وتجار بعض أنواع العقار يتذكرون ارتباطهم بالمجتمع لترويج بضاعته أو يستغيثون بهم عند كساد بضاعتهم!!

نماذج محل افتخار

حتمًا نفتخر، وتفتخر الأجيال ببعض النماذج المميزة في العطاء والبذل ونشر الوعي والتضحية للمساهمة الفاعلة بإيجاد أجواء صحية معينة تحفز روح الألفة والتعاضد والتعاون وتشد أواصر المحبة والأخوة والانصهار بين أبناء المجتمع والوطن. فلهم منا كبير الشكر والثناء والاحترام.

عملية غربلة شاملة

سولفت مع أحد الأصدقاء فقال:

لاحظت على مدى عشرين سنة أن معدل التفتت في جزء كبير من روح الألفة في بعض المجتمعات العربية آخذ في التسارع من خلال عدة معاول ساهمت في انهيار الثقة. وعليه يجب في المجتمعات الأم:

1 - غربلة التجار لتشخيص الصادقين من الكاذبين حتى لو أدى إلى التشهير بالفاسدين

2 - غربلة المثقفين لمعرفة الأوفياء من المخادعين والمضللين

3 - غربلة مدّعي الصدق من الكاذبين

4 - فرز المستغلين للعواطف الدينية والاجتماعية

ثم استرسل وهو يتنهد بحرارة. كل من تراهم هنا من المغتربين إما مغرر بهم أو يائسون مما وقع لهم أو محبطون. فقلت: وماذا عن التجار الناجحين من الأقليات الأخرى. فرد وقال: هم منظمون، ولذا هم أقوياء. أما جالياتنا فهي خبط لزق والثقة بين معظم أفرادها معدومة أو مهلهلة!!

إعطاء فرص متكافئة

فقال ذاك الشخص مسترسلًا: استحواذ البعض على أمور مهمة، سواء تحت عنوان وجهاء لكونهم مترسملين ماليا أو أبناء عوائل معينة ”العرق الملائكي/ الذهبي“ أو ممن يدّعون أن لديهم اتصالات معينة نفّر أغلب أهل الكفاءات أو جعلهم مهمشين. فصناعة المجتمع الناجح لا تعني صناعة قرارات تنجح أفرادًا وتهمل حقوق المجتمع. للمساهمة في إنجاح المجتمع يجب إعطاء فرصة متكافئة لجميع من لديهم كفاءات مفيدة واحتضانهم. انتهى التعليق.

ختامًا

ثقافة المجتمع الآمن لا تُبنى بعد وقوع الكارثة، وإنما تُبنى قبلها؛ بالعلم، والوعي، والاستعداد، والنقاشات الهادفة، والنقد البناء، والدراسات الرصينة، وزرع روح المسؤولية لدى الجميع، والتعاون، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بكل لباقة وكرامة وأدب وأخلاق.