أسدٌ في الكلام… وظلٌّ في المواجهة
هناك نوعٌ من البشر يمتلك سطوةً ساحرة على الآذان، يغزوك بحلاوة اللسان، ويأقلمُ نبراته ليصنع منها لحناً مخدراً ينساب إلى دَهاليز الروح. يرتدون عباءات الحكماء، ويوزعون النصائح والمُحفزات، فيأسرون النساء والرجال على حدّ سواء. يهمسون لك بأنك قادِر، وأن الحياة تستحق المراهنة، وحين يُشعِلون في قلبك شعلة التمرد أو الانفلات، تجدهم ينسحبون بخفة خفية إلى الظلال..
لتكتشف متأخراً أنك تُقاتل في قلب اللهيب وحدك، بينما هم يجلسون على مقاعد المتفرجين، يراقبون مشهد احتراقك ببرودٍ تام!
إنها مأساة أن تقع ضحية لـ ”شيطان بشري“ ذاك الذي لا يدفعك إلى الهاوية بيده، بل يغويك بكلامه حتى تقفز إليها بساقيك! إنهم يتقنون دور المُحرّض الذكي، يحثونك على الخروج عن المألوف، والتجرؤ على القيم، أو اتخاذ قرارات مصيرية طائشة في العلاقات أو العمل، وهم يتبرءون مسبقاً من النتائج، قائلين بلسان الحال: ”أنا مجرد ناصح!“. تمتد هذه الظاهرة لتبث سمومها بين الجميع، فتجد امرأةً تغوي صديقتها بالتمرد وهدم بيتها باسم ”الحرية“، ثم تستمتع بمشاهدة الشتات من بعيد، وتجد رجلاً يدفع صديقه إلى مواجهات خاسرة أو خطى غير محسوبة، ثم يتوارى كالهواء لحظة الصدام.
أسئلةٌ لرفع الغشاوة عن البصيرة:
هل تتبع نصيحةَ مَن يُشعِل فيك النار، أم مَن يستعدُّ للاحتراق معك لإطفائها؟
كيف تسمح لـ ”أسدٍ من ورق“ في ميدان القول، أن يقودك في ميدان الفعل؟
هل تدرك الفارق بين من يُحرّكك بحب، ومن يستخدمك كأداة ليخوض بها معاركه النيابية؟
إليك المحك الحقيقي:
الإنسان الصادق الحقيقي لا يُغريك بالانفلات، بل يبني معك الثبات. والشجاعة ليست في إلقاء الكلمات الرنانة وتأجيج مشاعر الآخرين، بل في الوقوف في الصفوف الأمامية حين تتصاعد الأدخنة.
ختامًا
احذروا أولئك الذين يُتقنون الغواية، ويتخذون من ملاسة اللسان طُعماً لاستدراج العقول والقلوب. احذروا من يُلقونكم في منتصف اللهيب ثم يتراجعون إلى الخلف ليكونوا مجرد متفرجين. إنهم يمارسون دور الشيطان في أبهى صور المكر، يزينون لك السقوط ويسمونه ”شجاعة“، فإذا وقعت قالوا: ”إني بريء منك!“.
اجعل بينك وبين معسول الكلام غربالاً من الحكمة فالمواقف - واحدة بعد أخرى - هي وحدها التي تكشف الأسود الحقيقية من مجرد ظلالٍ تُتقن الخسّة والهروب!














