قراءة ما وراء مسلسلة ”لعبة العروش“ و”أغنية الجليد والنار“
لكاتبها الأمريكي جورج ر. ر. مارتن
عجبي من هذا العالم الممسوخ! كيف لعدمية جورج ر. ر. مارتن، ذلك السبعيني الذي أعلن قبل أسابيع عن جزعه ويأسه من إنهاء ”ملحمته الروائية“ المذكورة نتيجة بؤس الوحدة والشيخوخة والمرض،،، كيف لعدميته وعبثه المنظم أن يظفرا بخلودٍ مزيف تسخّر من أجله الماكينات الثقافية وتخضع له الشاشات الصغيرة والكبيرة، في وقتٍ تُقتل فيه الشواهد الناصعة في تاريخنا الإنساني بـ ”سيفٍ من حبر“!
إن الرواج الكاسح لملحمة ”لعبة العروش - Game of Thrones“ و”أغنية الجليد والنار - A Song of Ice and Fire“ وتكريسها كظاهرة عابرة للقارات ليس مجرد نجاحٍ روائي أو سينمائي عابر، بل هو العارض الأكثر وضوحاً لشهادة الإفلاسٍ الروحي والخيبةٍ الوجودية التي يعيشها الضمير الغربي المعاصر، حيث تُشيَّد إمبراطوريات الفن على أنقاض المعاني الجليلة، وتُتوَّج المأساة كقيمةٍ عليا بلا افتداء.
تتأسس جاذبية عالم مارتن على معادلةٍ نفسية خبيثة؛ فهو يمنح الإنسان المعاصر ”صك غفرانٍ مجاني“ عن التحلل الأخلاقي. حين يُقدَّم الوجود كمسرحٍ أشراره الجميع، والآلهة فيه صامتة أو عاجزة، والعدالة خرافة يطؤها القوي بنعله، فإن المشاهد يرتد معافىً من عقدة الذنب، إذ يجري تبرير القسوة بوصفها ”حتمية الطبيعة“، ويصبح العبث هو المعيار الوحيد للشرف.
وعلى هامش هذا التبرير، تنشأ ما أسميه بظاهرة ”كرنفالية الدم والجنس“ التي تغزو الشاشات اليوم. وأستميح القارئ الكريم على جرأة قلمي لما سأطرحه من علل ”الفنون الغربية المعاصرة“! حيث تُعرض في هذه الأعمال مشاهد التوحش والقتل والجنس بأنواعه المريضة وصولاً إلى سفاح القربى والتعذيب البيولوجي البشع كاستعراضٍ ممسوخ يُباع على أرصفة المتعة الخسيسة. ينقلب بيت النفس الإنسانية - ذلك الهيكل الأرضي المقدس للروح السماوية - بجرة قلم إلى عقارٍ رخيص يُباع لكل مريضٍ يقتات على الأجساد المقطعة وشره الحواس المتبلّدة. لم تعد الدراما تنقب عن عمق التجربة الروحية أو الإنسانية، بل باتت تستثمر في ”جماليات الصدمة“ وتستبيح الذهنية المعاصرة المخدَّرة التي لا تستثار إلا بجرعاتٍ مضاعفة من المجازر واللحم المعروض.
إن الهيمنة الثقافية التي صنعت من هذا العبث أيقونةً عالمية تمارس نوعاً خطيراً من ”العنف المعرفي والأرشيفي“ تحت عنوان الترفيه اليومي العابر. إن السيف الذي تُقتل به الحقائق المشرقة والمروءات التاريخية ليس سيفاً من فولاذ، بل هو ”سيفٌ من حبر“ تملكه الماكينات الإعلامية وشركات النشر الكبرى. هذا الحبر هو الذي طمس الذاكرة الإنسانية، وحوّل الحواضر العريقة في الوعي الجمعي إلى صحارٍ بائسة تتطلع لـ ”مخلّصٍ غربي“، إذ تختزل الفلسفات والحقائق الإيمانية في طقوسٍ بدائية توحّشية، مستبدلةً بالبطولة الأخلاقية صراعاً حيوانياً على عرشٍ من حديد.
يضعنا هذا التحلل الفني أمام صراعٍ جذري بين سرديتين لا تقبلان المساومة. فالسردية الأولى هي السردية العدمية. وهي تُعرّف الإنسان بوصفه ”ذئباً طينياً“ تحركه الغريزة والخوف، وتجعل التاريخ دائريةً فارغة من التدافع الباطل، محركها صدمة المشهد ولذة اللحظة، وأثرها رمادٌ بارد يخلف ظمأً روحيّاً لا يُروى.
أما السردية الثانية فهي السردية المضادة، سردية الميثاق الإلهي المتمثل في وتد الاستخلاف الأرضي. وهي تنطلق من الإنسان بوصفه كائناً مُستخلَفاً يحمل أمانةً أخلاقية. وتقرأ الحراك التاريخي باعتباره مخاضاً يتدافع فيه الحق والباطل، محركها اليقين الروحي والمروءة الصافية، وأثرها جذرٌ ضارب في الصخر يثمر وعياً خافقاً بالمعنى.
إن مواجهة طغيان العدمية في الفن المعاصر لا تكون بالانسحاب الخجول أو الاكتفاء بالاستنكار الصامت، بل بتقديم إنتاجٍ فكري وأدبي مضاد يمتلك القوة والأدوات ذاتها. إن كتابة سرديات حقيقية تُعيد للإنسان كرامته الروحية، وتنتصر للمعنى والمبدأ أمام موجات الابتذال والاستعراض الجسدي المجاني، ليس مجرد ترفٍ روائي، بل هو واجبٌ حضاري حاسم لحماية الوعي الإنساني من الانجراف خلف هذا الإفلاس الأخلاقي.














