بعض الجميل لا يُردّ
هناك أشياء في الحياة لا نستطيع أن نردّها مهما حاولنا، ولا أن نؤدي ثمنها مهما امتد بنا العمر. أشياء تأتي إلينا قبل أن نعرف معنى العطاء، وقبل أن نمتلك القدرة على السؤال أو حتى الشكر. ومن بين كل النعم التي منحنا الله إياها، يظل الأب والأم أعظمها؛ فبهما يكتمل معنى البيت، وتستقيم في داخل الإنسان ذاكرة الطفولة وأمان البدايات.
إلى أبي وأمي، أكتب هذه الكلمات لا لأقول إنني أعرف فضلكما؛ فمعرفة الفضل شيء، والقدرة على الإحاطة به شيء آخر. كيف يمكن للابن أن يحصي يدًا امتدت إليه قبل أن يعرف الطريق؟ وكيف يستطيع أن يصف قلبًا ظل مفتوحًا له، حتى في الأيام التي أغلقت فيها الحياة أبوابها؟ بعض الجميل أكبر من اللغة، وبعض المحبة أوسع من أن تحملها جملة. ولهذا تبدو الكلمات، مهما ازدانت، عاجزة أمام حقيقة واحدة: أنكما كنتما البداية قبل أن أعرف معنى البدايات، والسند قبل أن أدرك أنني بحاجة إلى سند.
الأب ليس مجرد رجل يقف في صدر البيت، والأم ليست مجرد امرأة تسكن تفاصيله؛ إنهما المعنى الخفي الذي يمنح البيت دفئه، وللجدران روحها، وللأيام ذاكرتها. قد يتغير الأثاث، وتتبدل الأبواب، وتغادرنا أشياء كثيرة ظننا يومًا أنها ستبقى إلى الأبد، لكن صورة الأب وهو يعود متعبًا، وصوت الأم وهي تنادي أبناءها، يظلان في الذاكرة كأن الزمن عجز عن الوصول إليهما.
نحن لا ندرك قيمة بعض النعم إلا حين نكبر. في طفولتنا نظن أن الطعام يأتي إلى المائدة لأنه يجب أن يأتي، وأن الملابس تُشترى لأننا نحتاج إليها، وأن المدرسة والدواء والسهر والخوف والانتظار تفاصيل عادية من تفاصيل الحياة. ثم نمضي في العمر، ونحمل مسؤولياتنا الأولى، فنكتشف شيئًا فشيئًا أن وراء كل تفصيل صغير قلبًا يتعب، ويدًا تعمل، وعينًا تسهر، ونفسًا تؤجل رغباتها حتى لا ينقصنا شيء.
وهنا يبدأ الإنسان في فهم المعنى الحقيقي للامتنان؛ ذلك الامتنان الذي لا تختصره كلمة، ولا تحيط به مناسبة، ولا ينتهي بمجرد قول الشكر. فهناك عطاءات لا يمكن للإنسان أن يسددها، لأنه لم يكن حاضرًا حين بدأت، ولم يكن قادرًا على إدراك حجم ما قُدّم له.
والسند ليس فقط من يحملنا عندما نسقط، بل من يمنحنا الشعور بأن السقوط ليس نهاية الطريق. والأمان ليس أن تخلو الحياة من الخوف، بل أن نعرف أن هناك قلبًا يخاف علينا أكثر مما نخاف على أنفسنا. لذلك كان الأب والأم في وجدان الإنسان أشبه بمرفأ لا تظهر قيمته في هدوء البحر، وإنما تتجلى حين تعصف الرياح.
كم من مرة عدنا إلى البيت محمّلين بما لا نستطيع قوله؟ وكم من مرة كان وجه الأم يقرأ ما أخفته الكلمات؟ وكم من مرة قال الأب جملة قصيرة، لكنها كانت تكفي لإعادة ترتيب شيء مضطرب في داخلنا؟ إنهما لا يحتاجان دائمًا إلى معرفة التفاصيل؛ يكفي أن يشعر القلب بأن هناك من يقف إلى جواره.
ولعل أجمل ما في محبة الوالدين أنها عطاء لا ينتظر مقابلًا. الأم تمنح من عمرها دون أن تلتفت إلى السنوات التي مضت، والأب يبني ويكدّ ويتحمل، ثم يرى نجاح أبنائه وكأنه نجاحه هو، لا كأنه ثمرة تعب قدّمها لهم.
ومع مرور العمر، نفهم أن الوالدين لا يكبران في أعيننا فقط، بل نحن الذين نكبر فنرى ما لم نكن نراه. نرى التجاعيد لا باعتبارها علامات عمر، بل خرائط للسنوات التي عشناها نحن. ونرى الشيب لا بوصفه تغيرًا في اللون، بل شاهدًا على أيام مضت وهم يهبوننا من أعمارهم. وننظر إلى أيديهم فنفهم أن تلك الأيدي التي حملتنا يومًا، أصبحت اليوم تستحق منا أن نحمل عنها بعض ما أثقلها.
إن أعظم صورة للوفاء ليست في الكلمات الجميلة التي نقولها بعد فوات الأوان، وإنما في البرّ الذي يحدث وهم بيننا. أن نسأل عنهم قبل أن يسألوا عنا، وأن نمنحهم من وقتنا قبل أن يصبح الوقت أثمن من قدرتنا، وأن ندرك أن لحظة الجلوس إلى جوار الأب أو الأم قد تكون، في يوم ما، ذكرى نتمنى لو امتلكنا منها ساعة إضافية.
﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾ [الإسراء: 23]
فالأب والأم ليسا فصلًا من طفولتنا ينتهي بانتهاء الطفولة؛ إنهما الجذور التي تظل تسكننا حتى ونحن نبتعد عن المكان. قد نغادر البيت، ونبني بيوتًا أخرى، ونصنع لأنفسنا طرقًا جديدة، لكن شيئًا في داخلنا يظل واقفًا عند العتبة الأولى، عند ذلك البيت الذي عرفنا فيه معنى أن يكون للإنسان مأوى لا يطلب منه أن يبرر وجوده.
أبي، يا من كان حبك لي شيئًا لا يُقال، بل يُعاش في تفاصيل العمر، ويا أمي، يا من كان حضنك أول وطن لم أحتج إلى جواز سفر للوصول إليه؛ ما بينكما وبين القلب لا يحتاج إلى شرح. أنتما الحكاية التي لا أريد لها خاتمة، والذكرى التي لا أريد للزمن أن يبهت ألوانها.
وإن كانت الكلمات لا تكفي، فليكن العمر نفسه رسالة. وإن كان الشكر لا يردّ الجميل، فليكن البرّ محاولة. وإن كان ما قدمتماه أكبر من أن يُجازى، فحسبنا أن نعترف بأن كثيرًا مما نحن عليه اليوم بدأ من تعبكما، ومن صبركما، ومن تلك السنوات التي مرّت عليكما وأنتم تضعون أبناءكم قبل أنفسكم.
فبعض الجميل لا يُردّ، وإنما يُورّث.
وبعض الحب لا يحتاج إلى مناسبة كي يُقال.
وبعض الناس لا يكفي أن نقول لهم: شكرًا.
لأنهما ببساطة، كانا وما زالا، السبب الذي جعل للحياة معنى حين كانت الحياة بالنسبة لنا مجرد بداية.
إلى أبي وأمي…
مع التحية، والمحبة، وامتنانٍ يكبر كلما كبرنا، وتبقى لكما في القلب منزلةٌ لا يطالها النسيان.














