آخر تحديث: 1 / 9 / 2026م - 2:07 ص

الربابي: الخوارزميات لا تسأل عن الحقيقة.. ومسؤولية المتلقي ألا يسلّم وعيه للانفعال

جهات الإخبارية

أكدت الأكاديمية والمستشارة النفسية الدكتورة رسمية الربابي، أن خوارزميات الإعلام المعاصر لا تسأل عن الحقيقة بقدر ما تسأل عن التفاعل، مشددة على مسؤولية المتلقي في ألا يسلّم وعيه للانفعال.

جاء ذلك خلال ندوة دولية نظمها المنتدى الدولي للصحافة والإعلام، لمناقشة تحديات التلقي وتأثير المنظومة الرقمية على العقل الجمعي.

وأقيم اللقاء بالتعاون المشترك مع الاتحاد العربي للصحفيين والإعلاميين والمثقفين العرب، ونقابة الصحفيين الكويتية. بمشاركة الصحفي السعودي جمال بنون، كما شارك في التنظيم الاتحاد الدولي للصحافة العربية في كندا، ضمن مساعيهم المشتركة لتعزيز الوعي والتفكير النقدي.

وأوضحت الربابي أن الإعلام المعاصر لم يعد يخبرنا بما يحدث فقط، بل صار يشكّل الطريقة التي نرى بها ما يحدث. مبينة أن السرعة حلت محل التأمل، والعنوان محل السياق، والصورة محل الحجة، والانفعال محل الفهم.

ولفتت إلى أن التلقي لم يعد فعلاً واعياً، بل استجابة شبه آلية تتمثل في القراءة ثم الغضب فإعادة النشر قبل التحقق. محذرة من أن التحدي الأكبر يكمن في ضعف الحصانة المعرفية، وتخمة المعلومات، وضجيج الأصوات، وليس في نقص البيانات.

وعرّفت العقل الجمعي بأنه ليس كتلة صماء أو قطيعاً يُساق، بل هو الحقل المشترك الذي تتشكل فيه المعاني، وتتقاطع فيه المخاوف والآمال، وتتقرر فيه اتجاهات الرأي العام بهدوء أو بعنف.

وذكرت أن العقل الجمعي في السابق كان يتشكل ببطء عبر المسجد والمجلس والصحيفة والإذاعة. مستدركة بأن إيقاعه اليوم أصبح سريعاً ومتقطعاً عاطفياً، وموجهاً بخوارزميات المنظومات الرقمية.

وطالبت الإعلاميين بعدم تسليم عقولهم للسرعة، والقادة بتمكين الناس من أدوات القراءة النقدية بدلاً من الاكتفاء ببث الرسائل. داعية إلى بناء عقل جمعي لا يُقاد بل يشارك، ولا يُخدر بل يُستنهض.

واستعرضت المحاضِرة مسار هيمنة العقل الجمعي علمياً، بدءاً من كتاب ”سيكولوجية الجماهير“ لغوستاف لوبون عام 1895، مروراً بتجارب عالم النفس سولومون آش عام 1951 حول ضغط الجماعة في تعديل أحكام الفرد.

وتطرقت إلى أبحاث شيرلي توركل في علم النفس والثقافة الرقمية، التي تدرس أثر الاتصال المستمر على الانتباه والهوية. موضحة أن الدوائر العصبية التي استجابت قديماً لضغط البيئة المادية تتفاعل اليوم بمرونة مع البيئة الرقمية.

ولحماية الاستقلالية، طرحت الربابي أربعة مستويات لتجلي الحضور الفردي؛ أولها ”التعطيل الاستباقي“ لحماية مركز القرار من الذوبان في الرأي العام، وثانيها ”التباطؤ المنهجي“ لإحداث فاصل زمني يمنح الفكرة نضجاً ومناعة للاستهلاك.

وأضافت أن المستوى الثالث هو ”اكتناز الأثر“ عبر توجيه الطاقة لإنتاج مواقف قليلة العدد وبالغة العمق، والمستوى الرابع ”التموضع الحي“ بالثبات على الهوية الحقيقية، دون تقمص أقنعة اجتماعية تصطدم مع البيئة.

وفي الجانب الفلسفي، حذرت من مفهوم ”تغريب الكينونة“ في المدرسة الوجودية لدى مارتن هايدغر، وعاهات الهوية المبتورة التي تفصل الإنسان عن جوهره الأصيل ليتحول إلى نسخة متكررة ومستهلكة.

واستشهدت بالراحل الدكتور غازي القصيبي كنموذج تطبيقي لـ ”المسافة النقدية“، مبينة أن انسحابه الواعي من زحام المعارك اليومية مكّنه من التفرغ لإنتاجه الفكري والأدبي وترك أثر استراتيجي خالد.

من جانبه، أكد نائب رئيس المنتدى الدولي للصحافة الدكتور زهير العباد، أن العمل الصحفي ليس حكراً على الورق، بل منظومة شاملة تضم الصحافة الرقمية والتلفزيونية والإذاعية.

وكشف العباد أن نقابة الصحفيين الكويتيين، التي يرأس مجلس إدارتها، وقعت 20 اتفاقية دولية مع دول عربية وأجنبية. مشيراً إلى تنظيم العديد من الدورات التخصصية بالتعاون مع منظمات حقوقية وجامعات دولية.

وشهد اللقاء مداخلات نقاشية واسعة، حيث طرح مانع اليامي ومحمد البحراني ومجدي السيد تساؤلات حول ”اليقين الراسخ“ وعلاقته بالاستقرار الفكري ومواجهة البدائل.

وتساءل حسام سالم الخوالدة عن الفروق بين المعتقد الشخصي والمجتمعي، فيما ناقش الدكتور رامز درويش سبل صناعة الأثر في العقل البشري، وبحث حاتم نجيب كيفية تحديد الطريق الصحيح وسط كثافة الفتن المعلوماتية.