كيف يتكيف اقتصاد السعودية؟ المحتوى المحلي والعمالة السعودية
يعني ”المحتوى المحلي“ ما يستخدم من مدخلات الإنتاج محليا بما في ذلك اليد العاملة، واهتمت مستهدفات رؤية السعودية 2030 بتنمية المحتوى المحلي، وتمخض ذلك عن هيئة المحلي والمشتريات الحكومية. وفي ظل الضغوط الجيو - اقتصادية وجيوسياسية تتعاظم أهمية الاتكاء على المحتوى المحلي، فهو ركيزة حرجة الأهمية من ركائز المرونة والتكيف الاقتصادي، بما يعزز الاستقرار وتجاوز تبعات صدمات العرض على تعدد أنواعها، ولاسيما تلك التي قد تتأتى نتيجة لارتفاع أسعار الموارد المستوردة من مصادرها أو تأخر الواردات نتيجة لعوائق لوجستية أو نقص في المدخلات. وهذا، فالاهتمام بتنمية المحتوى الملحي أمر يكتسب أهمية متصاعدة في منطقتنا التي يعايش إقليمها حرباً ونزاعات. ومن جانب آخر لا يقل أهمية، فتنمية المحتوى المحلي تعني توليد قيمةً مضافة للاقتصاد الوطني بصورة مباشرة وبدون مواربة: مدخلات مقابل مخرجات، فالمحصلة في هذه المعادلة - ببساطة - أن قيمة المخرجات أكبر من قيمة المدخلات»، وهنا يكمن الأمر كله.
نسبة المدخلات المحلية في السلعة أو الخدمة المنتجة محلياً، وكلما ارتفعت النسبة كلما عنى ذلك أن المدخلات المحلية أكثر مساهمةً، وفي مقدمتها اليد العاملة المحلية والمواد الخام. ومنذ انطلق الرؤية، جعلت السعودية توسيع نطاق نسبة المحتوى المحلي هدفاً محورياً، وأخذت في تحقيق بتؤدة ووفق منهجية وبرنامج تنفيذي لا مجال لتناوله هنا. وفق تلك المنهجية وضوابطها فقد تجاوزت نسبة المحتوى المحلي في المشتريات الحكومية 51 بالمائة و 43 بالمائة في الاقتصاد السعودي عامةً «العام 2025»، مضيفةً نحو 450 منتجاً جديداً للقائمة الإلزامية خلال العام المنصرم «2025» القائمة الإلزامية بلغ أكثر من 1650 منتج وطني في مختلف القطاعات الحيوية والاستراتيجية، موزعة على 16 قطاعاً، بما في ذلك الأدوية ومواد البناء والنقل واللوجستيات وتقنية المعلومات والأمن السبراني.
ولابد من التنويه أن ضوابط المحتوى المحلي للشركات المملوكة بالكامل للدولة دخلت حيز التنفيذ في ديسمبر 2022، وتنص على ”لا تستهدف الشركات عند وضعها للشروط والمواصفات الفنية للأعمال والمشتريات المطروحة، استبعاد المنتج الوطني الذي يفي بالاحتياج الفعلي، كما يجب أن تتأكد الشركات أن تكون المنتجات الوطنية والأجنبية مطابقة للمواصفات الوطنية المعتمدة، أو المواصفات العالمية فيما ليس له مواصفات وطنية معتمدة“، كما تضمنت عددا من الآليات الخاصة بتفضيل المحتوى المحلي والمنشآت الصغيرة والمتوسطة، وهي القائمة الإلزامية وآلية التفضيل السعري للمنشآت الصغيرة والمتوسطة وآلية التفضيل السعري للمنتج الوطني، إضافة إلى آلية وزن المحتوى المحلي في التقييم المالي.
لعل السؤال المطروح بعد هذه المقدمة: ماذا يعني وجود سياسة للمحتوى المحلي؟ أولاً، لابد لتلك السياسة أن توازن بين تحفيز الانتاج المحلي وبين الانفتاح على العالم تجارياً واقتصادياً بما يعزز الوضع التنافسي للبلاد اقليمياً وعالمياً. وهكذا، فإن مبادرة المحتوى المحلي السعودية هي تجسيد ليس فقط لسياسة الاحلال محل الواردات «الانغلاقية» وليس فقط ممارسة لسياسة تشجيع الصادرات «الانفتاحية» بل لكلتيهما، بما يعزز فرص الجميع ما دام ينتج ويعمل على ارض المملكة العربية السعودية تحقيقاً للاكتفاء الذاتي، وتعزيزاً للأمن بمفهومه الواسع وتحقيقاً لاستقرار الاقتصادي الوطني عبر رفع قدرته على التكيف واستيعاب الصدمات، إن حدثت.
ومن هذا المنطق والمنطلق فإن تشجيع المنتجين للسلع والخدمات أن ينضوا تحت لواء ”المحتوى المحلي“ هو أمر غاية في الأهمية، بل وتتزايد أهميته مع تصاعد الضغوط الجيو - اقتصادية والجيو - سياسية في منطقتنا، بحيث ألا يكون اختيارياً أن تحتسب المنشأة المحتوى المحلي لما تنتجه، بل أن يكون احتسابها للنسبة أمراً مُلزماً نظاماً، وأن تبين تلك النسبة على ما تعرضه من سلع وخدمات، إما كنسبة مئوية أو كملصق يفيد أن المنتج مستوفي للحد الأدنى من نسبة المحتوى المحلي. ليس في ذلك تنطع، بل في ذلك إعلام وبيان ما المنتجات ذات المحتوى العالي وتلك ذات المستوى المنخفض، ولذلك مزايا عديدة، ليس أقلها إن تصبح كل منشأة تمارس نشاطها في السعودية معنية بتنمية المحتوى المحلي، سواء أكانت عملاقة، أو كبيرة، أو متوسطة، أو صغيرة، أو متناهية الصغرّ. ولعل الخطوة النوعية القادمة بعد النجاح المتواصل في رفع نسبة المحتوى المحلي هو التمعن في تعزيز الإنتاجية سواء للعمالة ولاسيما مساهمة الموارد البشرية السعودية بما يعزز خلق الوظائف والاستفادة من المورد الوطني الأهم بما ينمي رأس المال البشري ويعزز قيمته مع مرور الوقت وتراكم الخبرة والمعرفة المكتسبة. نظراً أن ذلك يعني تحسين القدرة التنافسية وبذلك يكون المنتج المحلي متفوقاً على نظيره المستورد، ليس ”حمائياً“ بل لأنه الأفضل من حيث الجودة والسعر، ويحسن قدرة المنتج الوطني على التصدير والمنافسة في الأسواق المفتوحة.














