آخر تحديث: 29 / 8 / 2026م - 11:27 م

المتين

سراج علي أبو السعود *

في لهجتنا يُسمّى السمين «متين»، وجمعه «متان». وقد استقر في ذهني، منذ أيام المدرسة و«الكورة» ومجالس العمل، أن المتان أخف دم من كثير من أصحاب الوجوه الجميلة. لكنني حين تأملت الأمر سألت نفسي: هل المتان ظريفون، أم أن ذاكرتي احتفظت بالظريف منهم وأهملت الباقين؟ وهل الجميل ثقيل ظل، أم أننا ننتظر منه الإعجاب لا الإضحاك، فنحاسبه بمعيار مختلف؟

تُنسب إلى نيتشه عبارة تقول: «إذا قتلت صرصورًا فأنت بطل، وإذا قتلت فراشة فأنت شرير؛ الأخلاق لها معايير جمالية». كلاهما حشرة، غير أن الأول يثير فينا النفور، بينما تستدعي الثانية التأمل، بل نستعير صورتها احيانا لتزيين ثياب ورؤوس نسائنا. صحيح أن بينهما فروقًا تتجاوز الشكل، لكن المفارقة تكشف ميلًا خفيًّا فينا: نحن لا نرى الأشياء كما هي دائمًا، بل نخلط بين حقيقتها والأثر الذي يتركه مظهرها في نفوسنا. ولا يختلف حكمنا على الإنسان كثيرًا؛ فالجميل يدخل المجلس وقد سبقه وجهه، والمتين يدخل وقد سبقه جسده، وكلاهما يصل متأخرًا عن الصورة التي صنعها الآخرون له. قد نغفر للجميل صمته ونسمّيه وقارًا، بينما ننتظر من المتين أن يقول شيئًا مضحكًا، كأن خفة الدم ضريبة فرضها المجتمع على ثقل الجسد! وربما كان هذا سر ملاحظتي؛ فنحن ننتبه إلى ظرف المتين لأنه يوافق صورة سابقة في أذهاننا، كما ننتبه إلى غرور الجميل لأنه يوافق ما نتوقعه منه. وهكذا لا نكتشف الناس دائمًا، بل نعثر فيهم على الأدلة التي تؤيد أحكامنا القديمة. ولا أنكر أن نظرة المجتمع قد تسهم في تشكيل الشخصية؛ فمن لا يحظى بالقبول من النظرة الأولى قد يبحث عن طريق آخر إلى القلوب، فينمّي قدرته على الحديث أو الحكاية أو إضحاك الآخرين. لكن ذلك احتمال لا قانون؛ فالمتين ليس ظريفًا بالضرورة، والجميل ليس مغرورًا أفسده الإعجاب. قد تصقل الحاجة إنسانًا وقد تكسر آخر، كما قد يفسد الامتياز صاحبه أو يزيده تواضعًا.

يقول أبو مدين التلمساني:

ما لذَّةُ العيشِ إلّا صُحبةُ الفقرا

همُ السلاطينُ والساداتُ والأُمرا

فاصحبهمُ وتأدَّبْ في مجالسهم

وخلِّ حظَّك مهما قدَّموكَ ورا

وليس «الفقر» هنا خلوَّ اليد، بل خلوَّ النفس من ادعاء الاكتمال. فالإنسان لا يطغى لأنه غني أو جميل، بل لأنه نسي فقره، ولا يتواضع لأنه محروم، بل لأنه أدرك أن ما يملكه لا يجعله معيارًا للناس. وأخطر ما يصيبه أن يشبع من نفسه؛ فلا يرى نقصًا يستدعي الإصلاح، ولا فراغًا يستحق الامتلاء. وهكذا اكتشفت أن القضية ليست أن المتان أخف دم، ولا أن الجميلين فقيلين طينة؛ بل إن أحكامنا هي الأخف وزنًا، لأنها تقفز إلى النتائج قبل أن تتعرف إلى أصحابها. فالخفة الحقيقية ليست خفة الجسد، وإنما خفة الأنا، والمتانة الحقيقية ليست في امتلاء البدن، بل في امتلاء الشخصية. أما كيف وصلت إلى هذه الحكمة، فلا أدري: أبطول التأمل، أم لأن الميزان فاجأني هذا الصباح أنني أصبحت مؤهلًا للحديث في الموضوع!