آخر تحديث: 29 / 8 / 2026م - 11:27 م

الحب… الركيزة التي تقوم عليها الحياة

محمد الدعيلج

«حب»… كلمة صغيرة، لا تتجاوز حرفين، لكنها تحمل في داخلها من المعاني ما تعجز عنه صفحاتٌ من الكلام.

هو اللغة الأولى التي عرفها الإنسان قبل أن يعرف الكلام؛ فالأم احتضنت طفلها قبل أن يفهم معنى الكلمات، والطفل عرف الأمان قبل أن يعرف اسمه، والإنسان عرف الانتماء قبل أن يعرف كيف يصفه.

كثيراً ما اختزلنا الحب في صورة رجل وامرأة، وفي قلبين التقيا، أو عاشقين جمعتهما الحكاية؛ حتى أصبح الحب في أذهان كثيرين مرادفاً للعشق، وكأن هذه الكلمة لم تُخلق إلا لتكون جسراً بين قلب رجل وقلب امرأة. والحقيقة أن الحب أوسع من ذلك بكثير؛ إنه الروح الخفية التي تمنح كل علاقة معناها، وكل مكان ألفته، وكل عمل أبداعنا فيه، وكل إنسان أثره فينا.

فالأم لا تربطها بابنها رابطة الدم وحدها، وإنما ينسج الحب بينهما عالماً لا تُرى خيوطه، لكنه أقوى من كل الروابط. والإخوة قد تجمعهم أسرة واحدة، غير أن الحب هو الذي يجعل الأخ أخاً بالمعنى الذي يتجاوز النسب إلى السند، والطمأنينة، والوقوف حين تتراجع كل الأكتاف.

نحن لا نحب الأشخاص وحدهم؛ بل نحب الأماكن أيضاً.

قد تدخل بيتاً جميلاً، واسعاً، فاخراً، ثم لا تجد فيه نفسك، وتشعر أنك غريب بين جدرانه. وقد تجلس في مكان متواضع، لا يملك من مظاهر الرفاهية شيئاً، لكنك تشعر فيه براحة لا تعرف لها تفسيراً. والسر ليس في الجدران ولا في الأثاث، وإنما في ذلك الحب الذي منح المكان روحاً، وجعلك ترى فيه شيئاً منك.

فالمكان الذي نحبه لا نسكنه فقط، بل يسكن فينا، ولهذا قد يتعلق الإنسان بحيٍّ عاش فيه طفولته، أو شارعٍ شهد خطواته الأولى، أو منزلٍ احتضن أجمل سنوات عمره. وحين يرحل عنه، يترك جزءاً من ذاكرته، وكأن بعض الأماكن لا تُغادرنا حتى وإن غادرناها.

والعمل كذلك…

لن تبلغ في عملك مبلغ الإبداع وأنت تؤديه بلا قلب. قد تنجز، وقد تؤدي واجبك، وقد تحصل على المقابل، لكن الفرق بين من يعمل ليؤدي، ومن يعمل لأنه يحب، هو ذلك الشيء الخفي الذي نسميه الشغف.

حين تحب ما تعمل، يصبح التعب أقل وطأة، وتتحول التفاصيل الصغيرة إلى متعة، وتبحث عن الإتقان لا لأن أحداً يراقبك، بل لأنك لا ترضى أن تقدم شيئاً لا يشبه حبك لما تفعل.

إن علاقتنا بالأشياء من حولنا كثيراً ما تتشكل بالحب وقد لا تكون قيمة الأشياء دائماً فيما تساويه، وإنما فيما تختزنه قلوبنا تجاهها.

حتى علاقتنا بأنفسنا تحتاج إلى الحب.

فالإنسان الذي لا يحب نفسه بالمعنى الصحيح، قد يقضي عمره يبحث عن قبول الآخرين، ويقيس قيمته بأعينهم، ويعيش أسيراً لكلماتهم. أما حين يتصالح مع ذاته، ويعرف قدرها، ويقبل نقصها، ويعمل على إصلاحها دون أن يحتقرها، فإنه يبدأ علاقة أكثر اتزاناً مع الحياة.

فالحب ليس مجرد عاطفة عابرة تسكن القلب، وإنما طريقة في النظر إلى الحياة.

أن تحب إنساناً يعني أن ترى إنسانيته قبل أخطائه.

أن تحب مكاناً يعني أن تمنحه من ذاكرتك ما يجعله أكثر من مجرد جغرافيا.

أن تحب عملك يعني أن تبحث عن أثر جميل تتركه فيه.

أن تحب عائلتك يعني أن تكون لهم حين يحتاجونك، لا حين يكون حضورك سهلاً.

وأن تحب الحياة يعني أن تتعلم كيف تلتقط جمالها حتى في الأيام التي لا تمنحك الكثير.

حين تحب، تصبح أكثر قدرة على العطاء، وأكثر احتمالاً للاختلاف، وأسرع إلى الصفح، وأشد انتباهاً للتفاصيل التي لا يراها إلا من يحمل قلباً يقظاً.

إننا في نهاية الأمر لا نعيش بعلاقاتنا فقط، بل نعيش بالحب الذي يسري فيها.

فالعلاقة بلا حب قد تستمر، لكنها تصبح واجباً.

والعمل بلا حب قد يستمر، لكنه يصبح روتيناً.

والمكان بلا حب قد يُسكن، لكنه لا يصبح وطناً.

والأشياء بلا حب قد تُمتلك، لكنها لا تصبح ذكريات.

أما حين يدخل الحب إلى العلاقة، فإنه يمنحها الحياة.

لهذا، لم تكن كلمة «حب» صغيرة كما تبدو لنا.

إنها حرفان فقط في الكتابة، لكنها في الحياة مساحة واسعة من المعنى.

فالحب ليس قصة بين رجل وامرأة فحسب، ولا قصيدة يكتبها عاشق لمحبوبته؛ الحب أمٌّ تسهر، وأبٌ يتعب، وأخٌ يسند، وصديقٌ يبقى، ووطنٌ ننتمي إليه، وبيتٌ نشتاق إليه، وعملٌ نفتخر بما نصنع فيه، وكتابٌ نحتفظ به، وذكرى لا نريد لها أن تموت.

الحب ليس علاقة واحدة من علاقات الحياة؛

بل هو الروح التي تجعل لعلاقات الحياة كلها معنى.

حين نفتقد الحب، نشعر أن العالم، بكل ما فيه، أصبح أقل دفئاً.

فالحياة لا تحتاج منا أن نحب، بل أن نتعلم كيف نحب أكثر…

كيف نحب ما بين أيدينا، وما حولنا، وما نصنعه، ومن نرافقه، والأهم من ذلك كله: كيف نترك في كل شيء أحببناه أثراً من حبنا.

فما أجمل أن نمر في هذه الحياة، ثم نقول حين نغادرها:

لقد أحببت…