سعاد وعالم التوحد «2»
كان ذلك اليوم عصيباً، ليس عليّ وحدي بل على أمي أيضاً، فقد حدث ما كانت تخشاه، وهو عدم تقبلي لذلك.
في المنزل، فتحت أمي حقيبتي وأخرجت منها وجبتي المفضلة، وتأملتها قليلًا بهدوء، وكأنها تخطط لشيءٍ ما.
بعدها وجهت نظراتها نحوي، ولا تزال ممسكةً بالوجبة، بينما كنتُ مشغولةً بتركيب المكعبات التي أكرر ترتيبها مرارًا وتكرارًا، لأنها تجعلني منعزلةً عن المحيط الذي أعيش فيه، فقد كان ذلك جزءًا من روتيني اليومي.
وبصوتٍ هادئ نابعٍ من قلبٍ ينبض بالحب والعطف، قالت:
”سعاد... حبيبتي، انظري إليَّ، هذه وجبتك المفضلة، وسأعدها لكِ كل يوم حتى تأخذيها معكِ إلى المدرسة.“
صمتت قليلًا، ولمحتُ يدها تمتد إلى منديلٍ على الطاولة، فمسحت شيئًا عن خدها. هل كانت دموعًا؟
أكملت حديثها، ولكن بصوتٍ مبحوح:
”أتمنى أن تفهمي ما أقول، وأنا متأكدة أنكِ ذكية وتعين ما أقوله. أرجوكِ، رُدي عليَّ.“
كانت كلماتها تصل إلى أذني لكنها لم تجد طريقاً إلى ردي، فلم أنظر إليها، ولم أتوقف عن اللعب بالمكعبات.
لم تغضب أمي، فهي تعرفني جيدًا، ولا تزال تمسح خدها بالمنديل، ولكن هذه المرة صدر منها صوتٌ مختلف، صوتُ شهقةٍ وكأنها تحبس بكاءها.
فجأة توقفتُ عن اللعب، وساد صمتٌ حزين. رفعت رأسي قليلًا لأنظر إلى الأعلى كما أفعل في كل مرة، ولأن أمي كانت أمامي، التقت عيناي بعينيها. لمحتُ بريقًا لامعًا في عينيها الذابلتين، فتجمدت عيناي نحوهما، حينها شعرت بشيء لا يمكنني التعبير عنه: هل هو الحنان الذي أبحث عنه في الفراغ الذي أعيشه؟ أم لحظة إدراك بأني أملك أمًّا تنتظر مني شيئًا ما؟ لا أعرف، ولكنها كانت المرة الأولى التي يحدث فيها ذلك.
دُهشت أمي، وفتحت فمها، وارتسمت على وجهها ابتسامة، وكأنها اكتشفت وسيلةً جديدة للتواصل معي.
أخذتُ الوجبة من يدها بشدة وأنا أردد: ”وجبتي... وجبتي...“، وبدأت أتناولها، بينما بقيت أمي صامتة، ولكنه صمتٌ مختلفٌ ممزوج بالدموع، ولم تفارق الابتسامة وجهها، وهي تمسح بيدها اليمنى على اليسرى وكأنني خدشت يدها من شدة سحبي للوجبة.
البدء في تنفيذ الخطة
جاء أبي، كعادته، بعد صلاة العشاء، وألقى بجسده على الأريكة وكأن جبلًا من الأعباء يثقل ظهره. جلست أمي بجواره بعد أن أحضرت له شيئًا من الطعام، وأخبرته بما تفكر فيه، فاعتدل في جلسته، وخطف بنظراته نحوي، بينما كنت أرفرف بيديَّ بشكلٍ متكرر وأصدر صوتًا متقطعًا من الأنين وكأني أستعد للطيران.
ثم عاد ينظر إلى أمي، وأطفأ سيجارته بعد أن تحولت إلى رمادٍ تساقط على علبة السجائر المليئة بالبقايا، ونفث الدخان من فمه وأنفه قائلًا:
”يا عزيزتي، لعلكِ تبالغين في هذا الأمر. فحالة سعاد لا علاج لها، إنه اضطراب التوحد. هل تعرفين ما هو اضطراب التوحد؟ أم أنكِ لم تقتنعي بحالتها؟ أرجوكِ، تقبلي الأمر ودعي المدرسة تقوم بدورها، فهناك تتلقى تعليمها الخاص، واحرصي على حضورها حتى لا تنقطع المعونة المالية عنها.“
لم يكن أبي في البداية مقتنعًا بفكرة أمي، إذ كان يتعامل معي وكأنني مصابة بشيءٍ من الجنون الذي لا حل له، ولكن إصرار أمي وإلحاحها جعلاه يوفر كل ما تحتاج إليه من وسائل تساعدني على التعلم.
وكانت البداية باستشارة الطبيب باختيار وجباتٍ تناسب حالتي، فابتعدت عن كل طعام يسبب لي فرطًا في الحركة، مثل رقائق البطاطس، والحلويات، والمعجنات. وهنا كانت بداية الصدمة بالنسبة لي.
ففي الصباح قدمت لي أول وجبة مختلفة، وكانت تحتوي على البيض المسلوق، والخبز الأسمر، وقطعٍ من الفاكهة. لم أتقبلها، فأخذت أصرخ وأهز رأسي تعبيرًا عن رفضي لها. أخذت أمي تهدئني وتحاول أن تجعلني أتناول الوجبة، لكنني لم أستجب، حتى عرضت عليَّ وجبتي المعتادة، وهنا كانت بداية نطقي بكلمة: ”ماما“.
ومن شدة فرح أمي بما سمعته مني، أخذتني إلى حضنها ودموعها تنهمر على خديها. وبعدما لاحظت استجابتي بمجرد ذكر وجبتي المفضلة، اتفقت مع أبي على البدء في معالجة مشكلات التواصل، وذلك بتوفير الوسائل المساعدة، وأخذت على عاتقها البحث والدراسة في كل ما يتعلق بمجال اضطراب التوحد لدى الأطفال.
وهذا ما حصل، لم أنقطع عن الذهاب إلى المدرسة بالرغم من كثرة المتاعب التي واجهتها أمي بسبب هذا الأمر. مضى عامٌ على ذلك، وبدأت الإجازة الصيفية.
العودة للمدرسة
وبعد انقضاء الإجازة عدتُ إلى المدرسة، حيث نصح الطبيب أمي بإعطائي العلاج في فترة الصباح للتقليل من فرط الحركة وتشتت الانتباه.
أمسكت أمي بيدي، وبيدها الأخرى حقيبتي، وتقدمنا نحو باب المدرسة. ومع أصوات وضحكات وصراخ الطالبات - الذي لا يمكنني فهم شيء منه سوى أنه ضجيج - بدأتُ بحركات غريبة ورَفْرَفَةِ اليدين نحو أذني للتعبير عن انزعاجي، ورأسي مرفوعٌ للأعلى أنظر إلى سقف المدرسة، وإذا بيدٍ دافئة تمسك بيدي وبصوتٍ هادئ يقول لي:
”أهلاً وسهلاً بعودتك يا سعاد، تعالي يا حبيبتي سعاد هيا إلى الفصل...“
بمجرد سماع صوتها أدرتُ رأسي نحوه، فقد ألفته جيدًا وكأنني أسمع صوت أمٍّ أخرى لم تلدني. ارتسمت على شفتي ابتسامة بريئة، وأخذت أقفز مرارًا وتكرارًا بحركات لا إرادية وأنا أردد: ”معلمة... معلمة...“
وهنا كانت الدهشة الكبرى لأمي، فنظرت إلى معلمتي بابتسامة كبيرة وكأن حياة جديدة كُتبت لها بالأمل والسعادة، وقالت للمعلمة: ”إنها تستجيب لكِ وقد عرفتكِ أيضًا!“
انحنت معلمتي واحتضنتني بحضنٍ دافئ، قبلتني وهمست بصوتٍ هادئ: ”اشتقتُ لكِ يا سعاد...“
أخذت حقيبتي وذهبت معها إلى الصف الذي احتوى على كرسي وطاولة وبعض المستلزمات المدرسية، لتبدأ مرحلة جديدة تحمل معها الإصرار على مجابهة صعوبات التعلم وصعوبات الانخراط في الوسط الاجتماعي، مع روح التفاؤل والأمل في قلب أمي لترى ابنتها التي عصف بها هذا الاضطراب فجعلها سجينة محاطة بهالة من الحواجز التي لا يمكنها الخروج منها، ولم أكن أعلم أن الله قد يضع في طريق الإنسان قلباً يكون له من الصبر ما يكفي ليصل إليه...
ولكن يبقى الأمل في الله تعالى قويًّا، وفي رجال العلم والاختصاص بالسعي الحثيث لإيجاد حلول وسبل لتنعم هذه الحالات بحياة جميلة، حالها حال بقية الناس.














