آخر تحديث: 28 / 8 / 2026م - 10:28 م

عدوى المشاعر

مصطفى صالح الزير

ما الذي نتركه في الأماكن والقلوب؟

هناك أشخاص يدخلون المكان فيتغير جو المكان، لا يرفعون أصواتهم، ولا يتحدثون كثيرًا، لكن حضورهم يجعل الجو أخف، والوجوه أكثر بشاشة، والكلمات أكثر لطفًا.

وهناك أشخاص آخرون يدخلون المكان، فيصبح الجو ثقيلًا، ويظهر التوتر، وتأخذ القلوب حذرها، حتى وإن لم يقولوا كلمة جارحة، فتلاحظ أن الأرجل تبدأ بالاهتزاز، والجسم يتحرك بشكل أكبر، فيظهر توترهم على أجسادهم من دون وعي من خلال تلك الحركات اللاإرادية.

فهل نحن نتوهم؟

لا، ليس تمامًا.

في علم النفس الاجتماعي توجد ظاهرة تُعرف ب«العدوى العاطفية»، وهي انتقال بعض المشاعر والانفعالات بين الناس من خلال نبرة الصوت، وتعابير الوجه، ونظرات العين، وحركات الجسد، وطريقة التفاعل.

لكن يمكن تبسيط الفكرة أكثر:

الإنسان لا يدخل المكان بجسده وحده، بل يدخل معه شيء من حالته النفسية.

يدخل بفرحه وقلقه، بهدوئه وعصبيته، بتفاؤله وتشاؤمه، وفي الوقت نفسه، يستقبل ممن هم معه حالتهم النفسية، سواء كانت هدوءً وطمأنينة أم خوفًا وتوترًا.

ولهذا قد يكون وجودك سببًا في راحة من حولك، وقد يكون سببًا في توترهم دون أن تشعر.

تخيل أنك عطر فواح:

حين ترش عطرًا طيبًا، لا تلمس رائحته بيديك، لكنك تشعر بها وتملأ صدرك بالراحة، وتنتشر الرائحة بصورة عجيبة في المكان بكل هدوء ولطافة.

ولهذا قد يمر الشخص من أمامك وينصرف، بينما تبقى ذرات عطره معلقة في المكان، تتضوع بالجمال.

وهكذا بعض البشر لا يقولون: «نحن أشخاص مريحون أو طيبون»، لكن ابتسامتهم تصل، وهدوءهم يصل، واحترامهم يصل، وحسن ظنهم بالناس يصل، وكأن للإنسان عطرًا معنويًا لا تراه العين، لكن تشعر به الأرواح.

ولهذا هناك أشخاص نتذكرهم فنبتسم، وأشخاص نتذكرهم فيضيق صدرنا.

قد ننسى كثيرًا مما قالوه لنا، لكننا لا ننسى بسهولة كيف جعلونا نشعر.

في البيت تبدأ الحكاية:

أكثر الأماكن التي تظهر فيها عدوى المشاعر هو البيت.

قد يعود الإنسان من يوم متعب، فيدخل منزله بغضبه وتوتره، فيستقبل أهله مشاعر لم يكونوا سببًا فيها.

وقد تكون الأم متعبة، فتتحدث بعصبية، فيشعر الأبناء أن البيت أصبح مشحونًا.

ولهذا من الجميل أن يسأل الإنسان نفسه قبل أن يدخل بيته:

هل سأدخل عليهم بحالي، أم سأدخل إليهم بما يحتاجونه مني؟

ليس المطلوب أن تخفي تعبك.

يمكن أن تقول ببساطة:

«كان يومي متعبًا، وأحتاج بعض الهدوء»، حتى يستوعبوا بعضًا من تعبك ويقدّروا ذلك.

هناك فرق بين أن تشارك أهلك تعبك، وبين أن تجعلهم يدفعون ثمنه.

وربما تكون أنت سببًا في راحة إنسان، ولا نعرف دائمًا ما الذي يحمله الآخر في قلبه من ظروف وضغوط الحياة.

قد تكون ابتسامتك الصغيرة أو كلمتك الطيبة جبرًا لخاطره، فتكون شيئًا جميلًا في يومه، كما نسمع من البعض عندما يقول: «لقد صنعت يومي».

وقد تكون كلمة مثل: «الله يعطيك العافية» أكبر أثرًا مما تتخيل.

وهنا تتجلى الحكمة الإلهية في التوجيه إلى طيب الكلام؛ فقول الله تعالى:

﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا [البقرة: 83]

هو أمر إلهي كريم يدعو إلى معاملة الناس بالكلمة الطيبة واللين وحسن الخلق.

ويتأكد هذا المعنى في النور النبوي، حين يقرن النبي محمد أثر الكلمة بأرقى صور العطاء، فعنه، ﷺ:

«والذي نفسي بيده، ما أنفق الناس من نفقة أحب من قول الخير».

ربما تنسى أنت الموقف بعد دقائق، لكنه يبقى في ذاكرة الشخص إلى آخر عمره، لذلك لا تستهين بالكلمة الطيبة.

فبعض الكلمات لا تنتهي عندما ننطقها، بل تبدأ حياتها في قلب من سمعها.

الأثر لا يقف عند المشاعر

وهنا نصل إلى معنى أعمق، الأثر الذي يتركه الإنسان ليس أثرًا نفسيًا فقط يلاحظه الناس، بل قد يكون للإنسان أثر روحي لا ندرك أبعاده.

فالإنسان كلما أخلص لله، وطهّر قلبه، وأصلح سريرته، انعكس ذلك على حضوره وهيبته وأثره.

ورد عن الإمام الصادق، :

«إن المؤمن يخشع له كل شيء».

ثم قال :

«إذا كان مخلصًا لله قلبه، أخاف الله منه كل شيء، حتى هوام الأرض وسباعها وطير السماء».

تأملوا هذا المعنى!

الإمام، ، يربط هذا الأثر بشيء عظيم: إخلاص القلب لله.

فليست القضية أن الإنسان يفرض نفسه على الآخرين، ولا أن يكون صوته أعلى، ولا أن يكون أشد قسوة.

بل القوة الحقيقية في قلب امتلأ بالله؛ لهذا، فالإنسان لا يحتاج أن يصرخ حتى يُسمع، ولا يحتاج أن يؤذي حتى يُهاب، ولا يحتاج أن يفرض حضوره بالقوة.

يكفي أن يصلح ما بينه وبين الله، فيجعل الله له أثرًا في خلقه.

وهنا يصبح السؤال أعمق:

إذا كان المؤمن المخلص لله يترك هذا الأثر في الوجود، فماذا تركنا نحن في القلوب؟

هل تركنا طمأنينة أم خوفًا؟

رحمة أم قسوة؟

أمانًا أم توترًا؟

هل حين نغادر المكان يشعر الناس بفقدان شيء جميل، أم يشعرون براحة لأننا غادرنا؟

هذه أسئلة تستحق أن نقف عندها.

ماذا عن الصلاة؟

قد يبدو موضوع المشاعر بعيدًا عن الصلاة، لكنه قريب جدًا.

تخيل إنسانًا يقف للصلاة، جسده ثابت، لكن داخله مزدحم:

مشكلة من الأمس، قلق من الغد، كلمة قيلت له، موقف أغضبه، مشكلة مالية، حديث في العمل، أو شيء يفكر فيه باستمرار.

يكبّر:

«الله أكبر».

لكن الدنيا ما زالت أكبر في داخله.

يحاول أن يخشع، فتأتيه الأفكار واحدة بعد أخرى.

وهنا يجب أن نعرف شيئًا مهمًا:

المشكلة ليست في وجود الأفكار، بل في التعلق بها.

الفكرة تأتي، ثم نبدأ بتحليلها، ثم نربطها بموقف قديم، ثم نتخيل المستقبل، ثم نغضب ونحزن بسبب شحنها بمشاعرنا وتفسيراتنا لها.

وهكذا تتحول الفكرة العابرة إلى حالة نفسية كاملة.

لذلك ليس كل ما يخطر في ذهنك يستحق أن تمنحه وقتك.

أفكارك ضيوف، وليست كلها أصحاب بيت.

وهنا أذكر لكم نصيحة ذهبية من ضمن النصائح الأبوية التي قالها لي سماحة الوالد العلامة الشيخ محمد كاظم الجشي «شافاه الله وأدام بركاته على الجميع»:

«لا تشيل هم الدنيا».

لا يعني ذلك أن نهمل مسؤولياتنا أو نهرب من الواقع.

بل يعني ألا نجعل كل ما يحدث في الدنيا يسكن داخلنا.

هناك أشياء تحتاج أن نعالجها.

وأشياء نحتاج أن نتركها.

وأشياء نحتاج أن نسلّمها إلى الله.

وليس كل موقف يحتاج إلى تحليل، ولا كل كلمة تحتاج إلى تفسير، ولا كل مشكلة يجب أن نحملها معنا إلى السرير.

ولهذا فإن تهيئة النفس قبل الصلاة مهمة.

اقرأ ولو صفحة من القرآن الكريم.

خفّف سرعتك.

اترك هاتفك.

اجلس قليلًا.

تنفس.

اذكر الله.

صلِّ على محمد وآل محمد.

اقرأ دعاءً ولو بسيطًا.

ثم ادخل الصلاة.

وقل لنفسك:

الآن أنا ذاهب إلى الله.

عندما تأتيك الفكرة في الصلاة، لا تحاربها بعنف.

لا تسأل: «لماذا فكرت بهذا؟»

لاحظها فقط، ثم عد.

جاءتك فكرة؟ عُد إلى الآية.

جاءك موقف؟ قل: ليس الآن، ثم عُد.

جاءت الفكرة مرة أخرى؟ عُد.

لا تجعل هدفك ألا تأتي الأفكار، بل اجعل هدفك:

أن تتعلم العودة كلما شردت.

وتذكر:

أنت لست كل ما تفكر فيه.

الفكرة مثل الغيمة؛ تمر في السماء، وليس عليك أن تركض خلفها.

كن أنت المناعة، لا العدوى:

إذا كان الغضب معديًا، فالهدوء أيضًا مُعدٍ.

إذا رفع شخص صوته، فليس ضروريًا أن ترفع صوتك، وإذا كان غاضبًا، يمكنك أن تكون أكثر هدوءًا بذكر الله فورًا عند الغضب، أو تغيير المكان، أو تغيير وضعك من الجلوس إلى الوقوف، أو العكس، أو الوضوء.

إذا قال لك كلمة جارحة، يمكنك أن تختار ألا تحملها في قلبك ولا تنقلها إلى شخص آخر.

وهنا تكون قد أوقفت سلسلة العدوى عندك.

فالقوة ليست أن تنتصر في الانفعال، بل أن تحافظ على اتزانك عندما يفقد الآخرون اتزانهم.

ماذا ستترك وراءك؟

كل واحد منا يترك شيئًا في الأماكن التي يمر بها.

قد يكون كلمة، وقد يكون ابتسامة، وقد يكون خوفًا، وقد يكون طمأنينة.

قد تدخل بيتًا وتخرج منه، لكن شيئًا منك يبقى فيه.

وقد تجلس مع إنسان دقائق، ثم يفترق منك، لكن شيئًا من حالك يرافقه بقية يومه.

لذلك لا تسأل فقط:

ماذا قلت؟

بل اسأل:

ماذا جعلتهم يشعرون؟

هل خرجوا من لقائك أكثر طمأنينة؟ أم أكثر خوفًا؟

هل أضفت إلى يومهم شيئًا من النور؟ أم تركت خلفك غيمة؟

مثل البخور الطيب: كن عاطر الأثر

تخيل لو أنك كالبخور تمامًا.

حين يُشعل البخور، ينتهي العود وتتلاشى جمرته، لكن رائحته الجميلة تظل ثابتة في الأماكن والقلوب طويلًا بعد غيابه.

لو قرر كل واحد منا أن يترك شيئًا جميلًا في كل مكان يدخله:

في البيت: رحمة.

في المجلس: ابتسامة.

في العمل: احترام.

في الاختلاف: أدب.

في الغضب: هدوء.

وفي الصلاة: قلبًا أخف.

هكذا يصبح الإنسان عاطرًا بذكر الله أينما حلّ وحيثما ارتحل، لا يفرض نفسه، ولا يطلب من الناس أن يلاحظوه، لكنه يترك أثرًا أعمق وأبقى.

يفوح خلقه، وتفوح رحمته، ويفوح لطفه، ويبقى عبيره حتى بعد أن يغادر.

ولهذا انتبه إلى حال قلبك؛ فأنت لا تعيش وحدك.

مشاعرك لها ظلال، وكلماتك لها أصداء، وحضورك له أثر.

واجعل صلاتك المكان الأول الذي ترتّب فيه داخلك؛ فحين يهدأ قلبك في الصلاة، تخرج منها أهدأ؛ وحين تضبط أفكارك، تضبط انفعالاتك؛ وحين تخفف حمل الدنيا عن قلبك، تصبح أرحم بمن حولك.

وهكذا تبدأ الدائرة الجميلة:

قلب هادئ ← صلاة أعمق ← إنسان أهدأ ← بيت أرحم ← مكان أجمل ← أثر أطيب.

فتكون كعودٍ زاده الإحراق طيبًا، والحمد لله رب العالمين.